عرض مشاركة واحدة
قديم 08-18-2026, 09:54 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
مؤرخ قبائل السلقا
إحصائية العضو







ابو مشاري الرفدي غير متواجد حالياً


افتراضي "حرب البسوس هل لعنزة دور فيها"


يمكن القول ان هناك الكثير من المسائل التاريخية العالقة قديما وحديثا لم تحسمها النصوص وأقلام المؤرخين وأهل العلم الى هذه الساعة فالقاريء كثير مايجد امامه فجوات تاريخية لم تستطع المراجع ان تزوده بها بصورة يمكن الاطمئنان لها فهناك أحداث دونت على أنها حقائق تاريخية ثم نكتشف أنها نصوص لادليل تاريخي عليها قاطع يثبت صحتها على أرض الواقع هذه إشكالية واجهت كل قارىء ومطلع سواء كان في التاريخ القديم أو في تاريخنا الحاضر من هذه المسائل التى يجب إعادة النظر حولها"احداث حرب البسوس ومشاركة عنزة فيها" فقد لفت انتباهي بعض الردود والتعليقات لاستاذنا الفاضل أبومشعل نفى خلالها مشاركة عنزة في هذه الحرب مستشهدا ببعض الحقائق التى تدلل على ذلك يقول في أحد ردوده
( لقد ذكرت أن عنزة انظمت لبكر في حرب البسوس وهذا ما قد أشرت له في بداية بحوثي في الطبعة الأولى من كتابي ( أصدق الدلائل في أنساب بني وائل ) عندما كان يجهلني الكثير من علم الأنساب وأظنه لا يوجد مصدر غير ما ورد بذلك الكتاب وهو خطأ مني تعذرت عنه بعد الأطلاع على المصادر الموثقة بحيث لم يثبت أن عنزة شاركت في حرب البسوس ولم تتلهزم عنزة أثناء تلك الحرب مع بكر ضد تغلب ولم يرد ذكر لعنزة في هذه الحرب في أي مصدر من مصادر التاريخ) وفي رد له اَخر على احد المتسائلين يقول أبومشعل" لقد بحثت في الكتب التاريخية ولم اجد خبر يذكر مشاركة عنزة في حرب البسوس لأن حرب البسوس دامت اربعين عام بين قبيلة تغلب كلها وقبيلة بني شيبان من بكر بمفردها لأن قبائل بكر غضبوا من قتل كليب واعتزلوا الحرب وبعد اربعين عام من القتال عاضدت قبيلة بكر بنو شيبان وانتصرت على تغلب وبكر وتغلب أبناء عم من دون عنزة ومن يدعي ان عنزة شاركت مع بكر يريد ادخال عنزة في نسب بكر وهذا غير صحيح وقد شاركت قبيلة عنزة مع قبيلة بكر في معارك ضد قبائل معادية لقصد الفزعة ولم تدخل في نسب بكر"

هذا ملخص ماذكره الاستاذ ابومشعل بخصوص هذا الموضوع والحقيقة أن ثقتي بأمانة الرجل ونزاهته ومصداقيته جعلتني أبحث هذه المسألة في كتب المتقدمين من مؤرخي القرن الثاني والثالث الهجري على وجه التحديد فلم اجد نصا صريحا من مؤرخ أو قول عالم متقدم من هؤلاء ذكرهذه المشاركة أو أشار اليها كملمح يمكن ان يُفهم منها إحتمالية هذه المشاركة على الاطلاق أما من ذكر هذه المشاركة فهو ابو عبيدة البكري في"معجم مااستعجم" وهو من اهل القرن الخامس الهجري عاش فى الاندلس وتوفي فيها عام487هـ وهو متاخر بثلاثة قرون عن هؤلاء المتقدمين من مؤرخي العراق ومحدثينهم الذين هم ادق حفظ واوثق رواية وتدوين ممن جاء بعدهم فأحداث البسوس وتفاصيلها لاتبعد 300عام عن بداية التدوين 100هـ/ 200هـ/ وهي بمقياس الزمن ليست بعيدة حتى تغيب عن ذاكرة الرواة والمحدثين وأهل الأخبار الذين نقلوا ودونوا احداث وحوادث تاريخ ماقبل الاسلام بكل تفاصيلها فالبكري الذي تفرد بهذا النص هو عالم جغرافي بلداني بالأساس ليس من الاخباريين أو المختصين بأنساب العرب ولا باخبارهم وعنوان كتابه يدل على هذا فبعد أن يذكر أسباب نشوب الحرب بين بكر وتغلب أضاف (أن النمر وغفيلة انظمت إلى تغلب فصاروا معهم ولحقت عنزة وضبيعة ببكر بن وائل) وهو نص جاء مقتضب غير مفصل ولا منقول عن مصدر متقدم لتعزيز مصداقيته وهذا مايجعلنا نشكك في صحة هذا النص ونقف عنده لنقرأ المشهدَ ونحلله بموضوعية رغم غموضه الظاهر"

أولا" النص بداية لم يخبرنا من هي عنزة التى لحقت ببكر بن وائل هل هي القبيلة بربطة بطونها وفروعها أم إقتصر الأمر على فرع أو فرعين فقط نحن نريد معرفة الحقيقة فالشك هنا شك معمر لاشك مدمر لأني لاأستطيع هضم هذه المشاركة بأحداثها الدامية التى أكلت الشحم واللحم طوال هذه الاربعين سنه ثم لا اجد فيها ذكر لفارس أو شاعر أو حتى علم صاحب مكانه وحضور فى عنزة أو من ضبيعة يكون له موقف ضمن هذه الاحداث هذا أمر لايمكن قبوله لاعقلا ولا منطقا " ثانيا:إذا كانت بطون بكرية إعتزلت هذه الحرب ولم تنظم الى إخوتها المقربين بداية هذا النزاع فكيف نصدق مشاركة عنزة وضبيعة فيها وماالدافع الموجب لهذه المشاركة أصلا وسببا علما أن عنزة كما يقال كانت ضعيفة بين قبائل ربيعة فمن البديهي أن لايشارك الضعيف القوي فالمشاركة تكون للأقوياء لا للضعفاء" ثالثا:المشهور أن أكثر فرسان وشعراء ومشاهير عنزة فى الجاهلية وبداية الاسلام هم من بنو هزان ولنا ان نتسائل أين هؤلاء الفرسان والشعراء في هذه الحرب الضروس لماذا لم يرد لهم ذكر فى هذه الاحداث في حين ذكرت احداثهم واخبارهم كالشعراء والفرسان فى أحداث اللهازم"رابعا: كيف تنظم النمر بن قاسط مع تغلب ضد إخوتها بكر بن وائل وهي أقرب لبكر نسبا وصلة دم من تغلب فالنمر بن قاسط شقيق وائل بن قاسط فالأولى أن العكس هو الصحيح وهذا مادعى من هم أقرب لبكر من النمر كقيس بن ثعلبة وعجل ويشكر إعتزال هذه الحرب باعتبار أن الكل فيها خاسر لتفاهة أسبابها وعدم جدواها فحرب ابناء العمومة أشبه بالتدمير الذاتي والانتحار الجماعي هذا إذا استبعدنا العصبية القبلية جانبا"

وظاهر الأمر أن البكري إستوحى هذه المشاركة كلمسة من خياله وربطها بمشاركة عنزة في حلف اللهازم وذي قار التى سبقت احداث البسوس بعدة سنوات من هنا يمكن القول أن البكري قرن هذه المشاركة بسبب الرابط التاريخي مابين الحدثين فأحداث البسوس ونشوء حلف اللهازم لايفصلهم فاصل زمني بعيد مع إختلاف ظروف وأسباب هذين الحدثين تماما عن بعظهم فحسب تصور البكري رأى أن لابد لهذا الحلف ان تكون له ذيول تاريخية أو ارتباط لحدث ملازم سابق له فمسألة ربط بعض الاحداث بأحداث سابقة متصله بها منهج علمي ثابت عند المؤرخين بلا استثناء ولازال هذا المنهج متبع حتى لدى مؤرخي القرون المتأخره فالشاهد أن ماقاله الاستاذ ابومشعل هو صحيح تاريخيا فلا يوجد أي مؤشر يدل صراحة على مشاركة عنزة في هذه الحرب إطلاقا فاللهازم واحداث البسوس حدثان مختلفان جغرافيا وسياسيا فجميع الأحداث التى شاركت بها عنزة مع بكر كانت ضمن اللهازم فقط وفي هذا يقول أبومشعل حول حلف اللهازم
"لقد تتبعت ما كتب عن حرب البسوس بين بكر وتغلب وأطلعت على القصائد المطولة التي قيلت في هذه الحرب من الطرفين ولم أجد أشارة لحلف اللهازم ولم أجد ذكر لعنزة مما يدل أن حلف اللهازم جاء بعد حرب البسوس بزمن كما أن تلمس تاريخ حرب البسوس بحدود القرن الرابع الميلادي أي قبل الهجرة بمئة سنة تقريبا" ويستشهد بتاريخ الرسل والملوك " وتهذيب اللباب" لأبن الأثير الشيباني "أنه لم يذكر هذا الخبر ضمن حلف اللهازم مما يدل أن تلهزم عنزة كان لفترة مؤقته فى حالة ضعف وقله"


وفى مقال له أخر يذكر أبو مشعل تفاصيل وأسباب دخول عنزة في حلف اللهازم حيث يقول
"اللهازم عرف قبل دخول عنزة به ولم تكن من المؤسسين له ويبدوا أن الذين دخلوا ضمن اللهازم قسم من قبيلة عنزة وليس كلها وأقطاب جمع اللّهازم من بكر هم : ( بنو قيس بن ثعلبة وبنو تيم بن ثعلبة وبنو عجل بن لجيم ) فقط واللهازم تشكيل حربي في حالة صراع بين قبيلة بكر بن وائل وقبائل أخرى وقد تشكّلت بكر ثلاثة جموع وهم 1- بنو يشكر 2- الذهلين وهم بنو شيبان وبنو ذهل 3- جمع اللّهازم ويشمل ثلاثل القبائل آنفة الذكر؟ *فالذهلان بنو شيبان بن ثعلبة وبنو ذهل بن ثعلبة/ واللهازم هم بنو قيس بن ثعلبة وبنو تيم بن ثعلبة وبنو عجل بن لجيم وبنو عنزة بن أسد بن ربيعة" فاللهازم من الناحية التاريخية جاء متأخرا عن أحداث البسوس وامتد الى النصف الأول من القرن الهجري الأول فرشيد بن رميض العنزي أثناء حلف اللهازم كان على قيد الحياة بداية الاسلام اثناء حروب بكر مع تميم والقيسية في اليمامة وشرق الجزيرة وهذا بعد انتهاء حرب البسوس بـ 60عام تقريبا قبل انسياحها الى العراق مابين عام 590م/600م/ ولم يأتي ذكره في احداث ذي قار 610م/623م/ مما يدل على وفاته قبل ذي قار ولو ادركها لذكر أحداثها في ثنايا شعره كما ذكر أحداث اللهازم من قبل وإذا عدنا بالزمن للوراء قليلا سنعرف الفاصل الزمني مابين نهاية حرب البسوس وبداية نشوء اللهازم واسبابها


يذكر ابن الاثير فى تاريخه الكامل مانصه
(قال أبو عُبَيدة مَعْمَر بن المُثنّى التيمي (110 هـ - 209 هـ) إن بكرا وتغلب ابني وائل اجتمعت للمنذر بن ماء السماء وذلك بعد حربهم وكان الذي أصلح بينهم قيس بن شراحبيل بن مرة بن همام فغزا بهم المنذر بني اَكل المرار وجعل على بني بكر وتغلب إبنه عمرو بن هند وقال إغز أخوالك فغزاهم فاقتتلوا فانهزم بنو اكل المرار وأسروا وجاؤا بهم الى المنذر فقتلهم" وذكر الاصفهاني في كتابه الاغاني نقلا عن ابن الكلبي"وذكر ابن الكلبيّ عن أبيه أنّ الصلح كان بين بكر وتغلب عند المنذر بن ماء السماء" وذكر شروط الصلح التى املاها المنذر بن ماء السماء على الفريقين" وفى المفصل فى تاريخ العرب" لجواد علي ذكر "أن المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة هو من أصلح بين بكر وتغلب كونه حكم مابين عام 512م الى عام 554م وقد بسط سيادته على بكر وتغلب وضمهما الى جيشه في حروبه ضد الغساسنة وكان لهم دور في تثبيت حكم المناذرة والمساعدة في القضاء على خصومهم واعدائهم" اما الدكتور صالح أحمد العلي في كتابه محاضرات في تاريخ العرب /ج1/ص28/ط الاولى 1954م فيقول "ان الذي اًصلح بين الحيين هو الحارث بن عمرو المقصور بن حجر اكل المرار الكندي الذي أصبح ملك الحيرة خلفا للمنذر وذلك بتأييد من قباذ بن هرمز ملك الفرس )

اما الحارث بن عمرو المقصور الكندي هو أقرب جغرافيا لقبائل ربيعة ومضر من المنذر بن ماء السماء مع أنهم معاصرين لبعض وقد إمتد نفوذ الحارث وسيطرته على قبائل معد كلها ونصب بعض أبنائه على هذه القبائل لكن وفاته سبقت انتهاء حرب البسوس فقد توفى مابين 528م الى 531م فالصلح هنا تم بعد معركة تحلاق اللمم 534م مما ينفي أن الصلح تم على عهد الحارث بن عمرو الكندي أما قيس بن شراحبيل بن مرة بن همام الذي تم الصلح على وقته فهو الحفيد الثالث لهمام بن مرة بن ذهل المقتول يوم عنيزة بحدود عام 500م مما يعنى أن الصلح تم قبل وفاة المنذر بن ماء السماء ربما بعشر سنوات خلاصة القول أن هذه عينة من نصوص كنا نعتقد بصحتها سابقا ونأخذ بها كحقيقة مسلم بها لكن بعد التدقيق والتمحيص تبين أنها مجرد استنتاج وفرضيات صاغها المؤلف ليربط الأحداث ببعضها وهذا نهج متبع عند أغلب المؤرخين جرت العادة عليه فكل سابقة لها امتداد تاريخي متعلق بها فطبيعي سيتم الربط بينهم تلقائيا باعتبارأن الخيط واحد والقاعدة تقول أن الشىء يقارن بجنسه لابضده لذك بعض المؤرخين يكون هدفهم هو تثبيت نص او حدث أو واقعة ما وان كانت إجتهادية لذلك ابن خلدون فى المقدمة عنده عبارة مهمة يقول فيها"إن المؤرخ هدفه هو الحصول على تثبيت ثقة الناس وذلك ببيعه الوهم" فعلى هذه القاعدة والمنهجية انفرد البكري بربط عنزة فى هذا الحدث بناء على هذه السياقات التاريخية والشواهد التى ذكرناها هذه هي الصورة ببساطة ومايظهر لنا من ادلة وشواهد أن لاعلاقة لعنزة بهذه الحرب لا من قريب ولا من بعيد إنما هو استنتاج تم تركيبه ربما بحجة تاريخية واهية بعيد عن الواقع هذا ماأحببت بيانه والله اعلم .







رد مع اقتباس