إن المتمعن في بعض السياقات التاريخية للأحداث يجد فيها معانى وجوانب اوسع واشمل مما تبدوا لنا حين نقرأها وتترك مجال للتحليل والاستنتاج ومساحة اكثر في الاستنباط فكلما تباعد الزمن عن النص التاريخى كلما نمت هذه النصوص وتشعبت ثم تتعدد الروايات حولها وكثرت الأقاويل من حيث الزيادة أوالمبالغة مع أن النص بداية تدوينه كتب بقلم واحد دون إضافة أو بتر مع أن الأدلة القطعية والتواتر لاتحتاج الى تأويلات واَراء لتأكيدها فعلينا أن لا نعتمد فقط على المعلومات النقلية دون الاستعانة بالأدلة العقلية المنطقية فترتيب سلسلة الاحداث وإعادة تركيبها ومقارنتها بالدليل العقلي هي صورة أقرب للواقع بكثير من مجرد التحليل النظري الذي قد لايقبله العقل ولا المنطق من هذه السياقات التاريخية مسألة نسب قبيلة عنزة وتتبع مسار احداثها وتنقلاتها خصوصا قبيل الاسلام بقليل الى القرون الثلاثة للاسلام يقول"نزارعبداللطيف الحديثي"(العراق عند مجيء الاسلام) "كانت قبيلة بكر تنتشر حول البصرة" هذا بشكل عام تواجد بكر بن وائل وثقلها اوائل الأسلام الى مابعده أما بخصوص بني شيبان وهي مدار حديثنا فهؤلاء يبدوا من الأحداث والأخبار انهم منفصلين عن القبيلة الأم اواخر القرن الهجري الأول وقد قد جاوروا عنزة هناك وليس العكس واحداثهم بالموصل مع عنزة سنة 76هـ مشهورة يقول "القس سليمان الصائغ في كتابه "تاريخ الموصل" تعتبر قبيلة بني شيبان من القبائل البارزة التى سكنت منطقة الموصل في الزاوية الشمالية الشرقية فعاثت فيها فسادا حتى أن الخليفة خرج بنفسه لاخماد فتنتها واخذ منهم رهائن" قلت:هذا النص إختصارا من عدة نصوص لكنه ربما يبين لنا الفرع العنزي الذي كان مشاركا شيبان في تلك الاحداث كما ان لشيبان أحداث وثورات كثيرة ومتعدده اثناء الخلافة العباسية ذكرتها كتب التاريخ كالطبري وابن الأثير والذهبي في السير وتاريخ الموصل لاياس الأزدي والدكتور عمر فروخ استاذ التاريخ العباسي وغيرهم كأحداثهم مع والى الموصل 193هـ واحداثهم عام 280هـ في خلافة المعتضد وذكرهم ابن خلدون في أحداث عام 369هـ في خلافة عضد الدولة وهناك من المؤرخين من عد أغلب سكان الموصل هم خوارج وقد تشبعت أفكارهم بفكر القرامطة كشيبان وعجل من بكر بن وائل وقد ذكر صاحب العقد الفريد 6/248/ "إن منطقة الجزيرة خارجية لأنها مسكن ربيعة وهي رأس كل فتنه وأكثرها خوارج ونصارى"هذه حقائق تاريخية يجب أن نذكرها ولانخجل منها أما مشاركة عنزة شيبان فى تلك الأحداث فلاعلاقة لأسلاف بشر ومسلم فيها فهؤلاء هم "بنوا عوف وطريف وسعد وجسر" من النمر بن يقدم بن عنزة الذين كانوا يسكنون أيضا فى الزاوية الشمالية للموصل منذ ان فتحها اميرها ربعي بن الأفكل ت:17هـ وهو من بني سعد بن النمر بن يقدم بن عنزة بن أسد فى خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حين ان أسلاف بشر ومسلم في هذه الفترة كانوا في عين التمر أثناء هذه الأحداث وفي أوائل الرابع الهجري في الحجاز فلا يشترط أن يكون هذا الفرع العنزي الخيبري هو عينه ذاك الفرع العنزي الذي كان مع شيبان وأحداثهم ولو أخذنا بهذا الرأي فهذا يعزز مقولة أن عنزة من شيبان وهذا تاريخيا غير صحيح .
ولكي تستبين الأمور أكثر نبدأ بهذا السؤال وهو مفتاح الباب: هل رافقت عنزة بكل فروعها مع بكر بن وائل ام بعض منها؟ ولعل هناك مصدرين تاريخيين قد يجيبان على هذا السؤال و بعد ذلك يمكن لنا أن نستنتج من سرد الأحداث مايمكن استخلاصه يقول صاحب "احوال العرب قبل الاسلام" "وعرب قبل الاسلام" نقلا عن" ابو العباس احمد بن علي بن احمد القلقشندي ت821هـ" فى نهاية الارب في معرفة انساب العرب" تحقيق ابراهيم الابياري الطبعة الاولى القاهرة الشركة العربية للطباعة والنشر 1959م" بدأ اهتمام ربيعة بالعراق بعد حروبها في الحجاز فأنتقلت بطونها وسكنت العراق فسارت بكر بن وائل وقطنت اطراف سواد العراق الغربية فالأبله فهيت وانتشرت معها في هذه المنطقة الممتدة من الابله جنوبا الى هيت شمالا عنزة و ضبيعة"وهناك نص اَخر اكثر وضوحا ذكره الشيخ الجاسر رحمه الله فى المعجم الجغرافى للمنطقة الشرقية فى المملكة العربية السعودية يذكر فيه"أن أُثال وغُمازة ونطاع كلها من مياه وادى السًتار (وادى المياه) وبنى جِلان من قبيلة عنزة وكانت هذه القبيلة مخالطة لبكر بن وائل وغيرها من فروع ربيعة فى منازلها فى شرق الجزيرة وذلك قبل انتشار قبيلة بنى تميم فى هذه البلاد عند ظهور الإسلام وهناك ايضا نص للاندلسي ت:685هـ ذكر فيه ان فرعا من عنزة كان بجوار عبدالقيس فى البحرين حيث قال"أن بنوا حنيفة باليمامة وسكن عبدالقيس بالبحرين وسكن عنزة في جهة عبدالقيس" قلت: يتبين لنا من النص الأول أن الذين رافقوا بكر بن وائل الى العراق هم عنزة وضبيعة دون تحديد فرع من فروع هاتين القبيلتين ولو افترضنا أن عنزة قد هاجرت بقضها وقضيضها بكل فروعها وبطونها باستثناء هزان فمنطقيا لايمكن أن يظل كيان القبيلة متماسك هيكليا واجتماعيا طوال تلك الفترة التى مكثتها بعين التمر فعنزة منذ نزوحها بصحبة بكر بن وائل بالنصف الثانى من القرن السادس الميلادي 550م أي قبل الاسلام بقليل حتى مجيئها الى الحجاز عام 304هـ 916م مكثت هناك مايزيد عن الـ350 بقليل وهي لاشك فترة زمنية طويلة لابد ان يترك أثر على نظام القبيلة الاجتماعى نتيجة بعض التغيرات الاجتماعية والتحولات السياسية والديموغرافية التى طرأت على البلدان والمدن والحواضر الاسلامية من هجرات ونزوح ورحيل وإحلال قبائل مكان أخرى خلال هذه الحقبة الطويلة من الزمن
اما النص الثانى فيفهم منه أن بنى جلان تحديدا هم المرافقين مع بكر بن وائل كونهم مخالطين لها قبل هذا النزوح ونص الاندلسي يدل أن هناك فروع من عنزة لم ترافق بكر بن وائل الى العراق وهذا ربما يفسر لنا المعنى المقصود بعنزة بنص القلشندي الذي ربما كان على سبيل البيان وسرد الحدث لابعموم المعنى وشموله بمعنى النص المقيد لا المطلق وهذه من الضوابط والاستعارات اللغوية للسان العرب وهذا لايمنع من وجود بعض الفروع العنزية ممن يشملهم هذا المعنى "كعوف وطريف وسعد وجسر " وهذه الفروع هي من تواتر ذكرها كثيرا بأحداث اللهازم مع بكر بن وائل خصوصا في احداث شرق الجزيرة بدليل قول الشاعر الجاهلي عمرو بن الأحزّ الجلاني العنـزي"فأبلغ بـني عـوف وأبلغ محاربا *وأبلغ بني جـلان ما الحَـقَّ تسألُ *وهِزّانَ بلّغ حيث حلّت ديارها * فمـا مـن أخ إلا عليـه معـوّلُ/ وهذا اشارة تدل ان هذه الفروع كانت ضمن حلف اللهازم وهم رهط الشاعر رشيد بن رميض وربعي بن الأفكل فلانستبعد نزوحهم مع بكر بن وائل الى سواد العراق أول امرهم باستثناء بنوا هزان الذين كانوا مجاورين لديار حنيفة باليمامة ولهم فيها أحداث ووقائع كما هو مشهور يقول الشيخ الجاسر صاحب معجم اليمامة "بقيت هزان في اليمامة إلى جانب حنيفة وذلك ما يقدّر بقرنين قبل الإسلام"أما خروجهم من اليمامة الى العراق وتحديدا الى البصرة والكوفة فكان في منتصف القرن الثالث الهجري" قلت: وهو خروج متاخر ومنفصل عن نزوح بكر بن وائل وعنزة أول الأمر أما طريف وسعد وجسر فقد فقد ذكرنا أخبارهم ومساكنهم واحداثهم مع بني شيبان وهم سكان الزاوية الشمالية للموصل مع بني شيبان كما تقدم معنا .
أما بنوا هميم فقسم منهم كانوا في العراق ولهم أحداث في القرن الأول الهجري ومشاركتهم مع ثورة ابن الأشعث على الدولة الأموية ومنهم عصام بن عمران الهميمي قتله الحجاج سنة 85هـ وعبدالرحمن بن حسان وعصام بن عمران من هميم وكدام بن حيان وهو تابعى من هميم والقسم الاَخر كانوا وبنوا هزان مجاورين لديار حنيفة باليمامة ولهميم هناك أحداث ووقائع يقول سوار بن قطن الهميمي العنزي الشاعر والفارس المتوفى عام 70هـ : سـأل حـنيـفـة يـوم وقعـتنـا *بنحـاة إذ جاروا عن القصد *وتـيمَّمـوا بـأمـر يمـامـتهـم * وتـكنـدوا غـدرا عـلى عـمـد/ إذن لم يبقى سوى "جلان" ممن بقوا على بداوتهم في عين التمر وهم كما تهذيب الانساب لابن الاثير "الحارث وجشم ومرة وربيعة وجرثومة" ابناء جلان بن سعد بن محارب بن يذكر بن عنزة" وهذا ما يجعلنا نرجح الكفة بنسبة 90 بالمئة أن بنوا جلان هم أسلاف قبيلة عنزة اليوم بكافة بطونها وفروعها "بشر ومسلم"وذلك لشهرتها من بين فروع عنزة وتواتر ذكرها في الاحداث أو في القصائد كقول الأصمعي يهجو جرثومة الجلاني :إنِّي وجدتُك ياجُرثومُ من نـفـرٍ* جرثومة اللُّؤم لا جُرْثومةِ الكرمِ*إنِّا وجَدْنا بني جَـلاَن كـلَّـهـمُ * كسَاعدِ الضَّبِّ لا طولٌ ولا عِظمِ " إذن لاصحة لمقولة أن بني شيبان هم أسلاف قبيلة عنزة وقد تبين أن عنزة بفرعيها بشر ومسلم ماهم إلا من هذه الفروع الخمسة"الحارث وجشم ومرة وربيعة وجرثومة" من بني جلان بن سعد بن محارب بن يذكر بن عنزة بن أسد بن ربيعة" هذا ماتبين لنا والله أعلم .