تابع
156- تقارير الكولونيل سانكي ذكر الكولونيل سانكي في 25 تموز من عام 1857 ارسل القنصل سكين في المدينه الى السفير في الاستانه والى وزارة الخارجيه تقريرا ورد اليه من الكولونيل سانكي عن حالة البدو والباديه ، يقول سانكي : ((إن عرب عنزة فرسان ممتازون ولديهم أحسن الخيول في العالم . وهم لايستعملون اللجام ولا الركابات بل يركبون على سرج غير محكم الرباط . يعتمدون على خيلهم ويقدرونها ويعزونها ولا يحبون ان يتخلوا عنها . ويقال ان الخديوي عباس باشا في مصر دفع اموالا طائلة ثمنا لافراس من عنزة . ان احتمال هذه الحيوانات لامر عجيب فقد عرف عنها انها تجري ثلاثين ساعه دون توقف او استراحة . ولما كان الاتصال بالبدو ممنوعا من قبل السلطة التركية , وهم لايفلحون ولا يحرثون الارض , فانهم لذلك لا يشترون الشعير لخيلهم , وليس عندهم لها إلا العشب اليابس من نبات الشيح , وهم يعتمدون في طعامهم على حليب الابل ويعزو البدو قوة عظامهم الى ذلك . وان قليلا منهم يستعمل البنادق فسلاحهم المحبب هو الرمح الذي يصد اي سياف من اعدائهم)) . وذكر الكولونيل سانكي إن عربان السبعه وجماعة من العشائر نزلوا في مكان يقع بين عانه وجب دخينه 21 صفر 1255 \ 1839 – 1840م وقد نقل من أهم مافي المحفوظات الملكيه المصريه من الاخبار عن البدو في الصحراء نشرها الدكتور أسد رستم في اربع مجلدات ثم كتب القنصل في 3 كانون الأول 1867 أن ألفا من الفرسان البداة هاجموا في 29 تشرين الثاني عرب الرعية ( أي أصحاب الغنم ) , قرب قرية قيارة (حافر) وهي على خمسة وعشرين ميلا شرقي تواجدهم , ونهبوا ألف رأس من الغنم وثلاثين فرسا , وقتلوا سبعة رجال وجرحوا اثني عشر رجلا .وكان قائد الحملة الغازيه ابن مرشد رئيس القمصة وهم فرع من عرب السبعه , وهم من عنزة ولم يجرح من الغزاة سوى عبد اسود للشيخ , وقد رجع مع سيده . وهكذا فإن المصاريف التي تتكبدها الدولة لشراء الهجن والبغال لحمل المحاربين الموكلين لصد هجمات البدو لم تنفع شيئا . وقد سار نحو خمسين فارسا بقيادة نايف بن حجي بطران لقتال بن مرشد فردهم خائبين لا جئين الى حصن في قرية مجاورة وكتب في 4 تشرين الاول 1854 يخبر عن كمين أقامه البدو من عرب السبعه لجماعة من جند يوسف باشا غير النظامي قرب تديف , وأنه قتل في تلك المصادمات شيخ تديف ورئيس الجيش وجرح كرد يوسف أغا , ووصف كيف تم الكمين بنزول بعض البدو وانسحابهم , ثم مهاجمة المتعقبين لهم من قبل الكمين وفتكهم بهم , وأشار الى فشل حملة يوسف باشا المذكورة. هذا الكتاب يصف قوة قبيلة السبعة وشجاعة رجالها وذلك من خلال انتصارهم على جنود الحامية العثمانية وهكذا فإن المصاريف التي تتكبدها الدولة لشراء الهجن والبغال لحمل المحاربين الموكلين لصد هجمات البدو لم تنفع شيئا . وقد سار نحو خمسين فارسا بقيادة نايف بن حجي بطران لقتال بن مرشد فردهم خائبين لا جئين الى حصن في قرية مجاورة وكتب في 4 تشرين الاول 1854 يخبر عن كمين أقامه البدو من عرب السبعه لجماعة من جند يوسف باشا غير النظامي قرب تديف , وأنه قتل في تلك المصادمات شيخ تديف ورئيس الجيش وجرح كرد يوسف أغا , ووصف كيف تم الكمين بنزول بعض البدو وانسحابهم , ثم مهاجمة المتعقبين لهم من قبل الكمين وفتكهم بهم , وأشار الى فشل حملة يوسف باشا
المذكورة .
157- من وثائق وزارة الخارجية البريطانية عن البدو مما نقله المؤلف من اللغه العربيه الى اللغه الانجليزيه وفي الوثيقه الثانيه وهي الكتاب من القنصل الى حكومته يخبرها فيه عن تنقل بعض من قبائل عنزة ، وتاريخه تشرين الاول 1835 , يلحقه بعد اكثر من شهر بكتاب اخر تاريخه 3 كانون الاول 1835 الى وزارة الخارجيه يذكر فيه ان عرب عنزة هم في نزاع مع قبيلة شمر , وان الوادي هو الحد الفاصل بين القبيلتين تستقر قبيلة عنزة في الجانب الأيمن وتستقر شمر في الجانب الأيسر .ويشير في الكتاب نفسه الى ان قبيلة عنزة هي اقوى قبيله في الباديه وهي اكثر القبائل حبا للحرب والغزو , وقد اخذت بالفعل تقوم بالغارات على المناطق المتاخمه للباديه بين شمال اليادية والطريق الى أواسطها وهي على اتفاق مع الوهابيين . وكتب القنصل في 17 ايلول 1841 مشيرا الى ان قبائل عنزة اخذت تتسرب باعداد كبيرة الى تخوم الوديان , وأنه باشرت هجوما على حدود البادية بقوة من نحو ستة الاف رجل , فسيرت السلطة لإخضاعهم جيشا على رأسه احمد باشا , فاحتك بهم في جبول , ولما أطلق عليهم اول قنبلة من مدفع هربوا وعبروا الفرات , غير انهم عادوا يتسللون بأعداد كثيرة وعبروا إلى قلب الصحراء , وتقدموا الى شرقي جنوب الوديان , وشرعوا يحتلون مناطق كانت تحتلها قبائل اقل بئسا ومكانه منهم تخضع للباشا , ولهذ اخذت القبائل الضعيفه تنسحب امام عنزة وتلتجىء الى الاراضي القريبه من المدينه لحماية نفسها من عنزة . ويخشى القنصل من كتابه ان تتقدم عنزة اكثر قرب المدينه ويمتد تقدمها في اول الربيع فيصعب على الباشا صدها , وبالتالي يهددون خط المواصلات بين المدينه وبقية المناطق . بل ربما يهددون ايضا الخطوط البريه الأخرى.ويزعم ان هؤلاء البدو ( عنزة ) سينتشرون في كل جهه ويضطر الفلاحون الى ان يهجروا مزارعهم ويهربوا من امامهم ويصبح الموسم فريسه سهله للبدوعنزة. ويذكر ان المكاريه انفسهم اخذوا يمتنعون من تأجير جمالهم لنقل الحاجيات خوفا من البدو الذين اخذوا بالفعل يهددون الطريق العام بين بقية المدن, وقد قتلوا بعض المسافرين , وسلبوا اخرين واصبحت الطريق غير امنه . ثم يكتب القنصل في 21 تشرين الثاني 1867 ان الوالي هو جودت باشا وكتب في 3 كانون الول 1867 أن ألفا من الفرسان البداة هاجموا في 29 تشرين الثاني عرب الرعية ( أي أصحاب الغنم ) , قرب قرية قيارة (حافر) وهي على خمسة وعشرين ميلا شرقي تواجدهم , ونهبوا ألف رأس من الغنم و ثلاثين فرسا , وقتلوا سبعة رجال وجرحوا اثني عشر رجلا . وكان قائد الحملة الغازيه ابن مرشد رئيس القمصة وهم فرع من عرب السبعه , وهم من عنزة ولم يجرح من الغزاة سوى عبد اسود للشيخ , وقد رجع مع سيده . وهكذا فإن المصاريف التي تتكبدها الدولة لشراء الهجن و البغال لحمل المحاربين الموكلين لصد هجمات البدو لم تنفع شيئا . وقد سار نحو خمسين فارسا بقيادة نايف بن حجي بطران لقتال بن مرشد فردهم خائبين لا جئين الى حصن في قرية مجاورة وكتب في 4 تشرين الاول 1854 يخبر عن كمين أقامه البدو من عرب السبعه لجماعة من جند يوسف باشا غير النظامي قرب تديف , وأنه قتل في تلك المصادمات شيخ تديف ورئيس الجيش وجرح كرد يوسف أغا , ووصف كيف تم الكمين بنزول بعض البدو وانسحابهم , ثم مهاجمة المتعقبين لهم من قبل الكمين وفتكهم بهم , وأشار الى فشل حملة يوسف باشا المذكورة وفي 18 اذار كتب قنصل جديد وهو مستر نيوتن واستلم العمل بعد مستر سكين , واول كتاب منه في شيء عن الباديه وعلاقة الانجليز بها ارسل في 17 اب 1875 , وفيه يذكر عن رحلة له الى الباديه لشراء الخيل . وهو كتاب طويل يذكر فيه محاولة الاتراك اخضاع البدو ويتحدث عن انشاء ادارة حكوميه في المدينه منذ ست سنوات مستقله عن الرئيسيه وذلك لارغام البدو الرحل على الاستقرار والتحضر بحيث يصبحون مزارعين وحراثا يحرثون الارض ويستغلونها . وقد افلحت الادارة بحمل بعض فقراء البدو بطريق الاقناع على ذلك , ولكنها حين اخذت تعمد الى القوة فشلت , واصبح الكل بدوا , وهم يعارضون جمع اي ضريبه او زكاة منهم ويقولون ان الارض ارضهم قبل ان يظهر الاتراك , وان الباديه لم تفتح ولم تخضع من قبل . ويذكر في كتابه هذا ان جدعان شيخ الفدعان بعد موت عمه دهام اصبح شيخ الخرصة والشيخ الاخر هو سليمان بن مرشد وزعامته على قبائل السبعه وكلا الشيخين قدير وذكي . ويقدر عدد اتباعهما بنحو اربعين الفا من العائلات , ويستطيعان ان ينزلا في اي لحظه في الميدان بقوة تناهز عشرة الاف فارس منتخب ويتركان نحو نصف هذا العدد في المضارب لحمايتها او للنفير اذا لزم الامر ويذكر ان عدد جمالهم وغنهم مدهش , وقد عددت حول مضرب من مضارب القمصه مؤلف من مئة خيمه نحو عشرين الف جمل بوجه التقريب , وهي اذا ثمنت بثمن بخس اي بنحو خمس ليرات للجمل الواحد تكون كل عائله كأنما هي تملك ألف ليرة انجليزيه هذا عدا الخيل وعدا الغنم التي عددها اكثر من الجمال . وكتب في 3 نيسان 1869 يقول ان في اليوم الذي عادت فيه الحملة ظهر جدعان وهو من الزعماء الثائرين في قرية حافر على بعد 25 ميلا من المدينه , ومعه تسعمئة فارس , وتهدد السلطه بكتاب يقول فيه انه سيمحق المقاطعه من طرف الى طرف وان كان باستطاعهم ان يردوه فليفعلوا . فعادت الحملة الى الباديه للتصدي له , ولكن جدعان كان في هذه الاثناء قد نهب 15000 نعجه من عرب التويمات والبوخميس , وهما عشيرتان من عرب الحديديين المخلصين للحكومه والموكلين بغنم الفلاحين والمزارعين وسكان المدينه . ونهب ايضا 30 خيمه من التويمات , و20 من البوخميس , وهاجم عشيرة اخرى واخذ خيلها ونقودها . واسر اربع من شيوخ بدو شمر ومنهم عبدالكريم الذي كان في خدمة السلطه , وفي الوقت نفسه ظهر زعيمان من شيوخ العجاجره وهما طلال بن حماجم وخريمس واقتربا من جوار المنطقه ومعهما 350 فارسا فنهبوا 2350 صحة أسم حماجم : وخريميس : حريميس .
158- من كتابات الكونتيسة دي كليرمون تونير في الشرق منذ سنتين سافرت إلى الشرق بقصد التنزه والسياحة سيدة كبيرة من أشرف عيال فرنسا و أغنى سكان باريس. فطافت سوريا وزارت أكثر مدنها و لما وصلت إلى مدينة حمص ( تقع وسط سوريا ) سمعت بذكر البادية والبدو ، ولجت بها الرغبة إلى مشاهدة بدوي من العرب ، فقيل لها أن أحد شيوخ القبائل موجود في حمص ، في سجن الحكومة العثمانية . كان الرجل المذكور هو الشيخ هزاع الذي يرأس إحدى قبائل عنزة التي هاجر بعضها من نجد واستقر في بادية الشام ، وكان الشيخ قد وقع في شرك نصبه له الجند بعد أن قام بغزوة في بر حمص و عليه من التهم الشيء الكثير . سمعت الكونتيسة بذكر السجين ،فزاد بها الشوق إلى رؤياه ، فاستصدرت أمراً بزيارة السجن وقابلت الشيخ السجين ، فسألته عن سبب حبسه فحكى لها قصته كما شاء وتأثرت لها كما شاءت و شاء لها. خرجت الكونتيسة من ذلك اللقاء و قد وقع في نفسها من الشيخ أن تسعى إلى إنقاذه ، و لكن الإفراج عن الشيخ هزاع لم يكن بالأمر اليسير لأن صحائف الرجل عند الحكومة كانت أشد سواداً من سواد عينيه . ولكن الكونتيسة غنية والوقت متسع لديها فأقامت في حمص الأيام تنفق المال دون حساب واغتنمتها الدوائر القضائية والإجرائية فرصة قلما يجود بمثلها الزمان ، فوسعوا دائرة الاستثمار لهذا الصنف الجديد، وكانت سنة خير وإقبال لم يذكرها القوم إلى الآن بالحسنات البركات . كل ذلك لم يكن ليوهن حمامة نوح عن حمل غصن الزيتون فكانت همتها تكبر مع الصعوبات وجيوبها تتسع على معدل الأيدي الممدودات والشيخ هزاع في سجنه يحمد الله على هذه الرحمة الغير المنتظرة ويذكي بتضرعاته واستغاثاته نار الشفقة و الحمية من صدر حاميته العجيبة . وأخيراً طبقاً للقول المأثور : لا يعصى قفل على مفتاح من ذهب .. فُتح باب سجن حمص و خرج الشيخ هزاع و أول من استقبله الكونتيسة قال لها : أنت سبب حياتي و لولاكِ لكنت من أهل القبور ..ولا تسل ما كان تأثير هذا الكلام على قلبها الرقيق، فازدادت حناناً على الرجل وآلت على نفسها أن تلتزم أمره ما عاشت وعاش بعد خروج الشيخ هزاع ، كان قد دعاها إلى زيارة قبيلته ، فلبت كرماً و لطفاً و جاءت القبيلة بموكب عظيم لاستقبال شيخها و احتفلت بمخلصته احتفالاً لم يسبق له نظير .أقامت الكونتيسة في مضارب القبيلة أياماً ذكرتها بعز (زنوبيا) ومجد الإمبراطورة ( أوجيني ) و زادت عندها منزلة الشيخ ارتفاعاً .ثم عزمت الكونتيسة على متابعة سياحتها في العراق وبلاد العجم ، فكان الشيخ هزاع في طليعة الحملة مع مئة خيال من نخبة فرسانه ، فرافقها إلى العراق وبلاد العجم وعاد معها و قد أخذت على عاتقها القيام بنفقات هذا الجيش وغمرت الشيخ بالأموال و الهدايا و بلغ من عطائها عليه أنها كانت تستصغر كل عظيمة في سبيل إرضائه و تتمم رغباته الكثيرة حتىأنه رأى يوماً مهرة عربية أعجبته ، فسألته الكونتيسة كم ثمنها فقال خمسمائة ليرة فمنحته عشرة آلاف فرنك في الحال ! و البدو لم تقع عليهم مثل هذه الثروة والعطايا من قبل ، و لم ترى أعينهم كل هذا الذهب الذي أغرقتهم به هذه السيدة ، ففرحت القبيلة و استبشرت حين راج فيها الذهب كأنما مصرف الكريدي ليونه نقل إلى بادية الشام أو دار السكة في باريس قد نقلت إلى خيمة الشيخ !وقد قدر ما أنفقته الكونتيسة مدة إقامتها في القبيلة بمائة و أربعين ألف فرنك ، وعادت إلى باريس ولاعود باري من القطب أونابليون من أسترليتز ولكن فراق الشيخ هزاع كان النقطة الوحيدة السوداء في صحيفة أعمالها و أفراحها العظيمة في تلك السياحة ما أن وصلت الكونتيسة باريس حتى اشتد بها الحنين فأرسلت بطلب الشيخ و بعثت رسول خاصمن قبلها ترجو من الشيخ هزاع أن يحضر إلى باريس و يحضر معه من يشاء على نفقتها وأرسلت له مبلغاً كبيراً. وقبل أيام حلت ركاب الشيخ هزاع في باريس مع حاشية تتألف من ثلاثة من الخدم وعازف الربابه . و كانت الكونتيسة قد أهدت له طابقاً خاصاً من قصرها الكائن في نمرو 12 من شار ع فرنسوا الأول ، و القصر و الشارع من أجمل وأهم قصور باريس و شوارعها .لقد حل الشيخ و حاشيته في قصر الكونتيسة دي كليرمونتونير وحل معه الأنس والبهجة وارتدت مخادعه ملابس العيد وقامت سيدته الكبيرة على إكرام ضيفها بكل ما لديها من أسباب الاحتفاء ، فجعلت وقتها و مالها و خدمها وحشمها و مركباتها و اصطبلاتها رهناً على خدمته . لم يبق شارع من شوارع باريسالحافلة ومتنزه من متنزهاتها الشائقة إلا رأى رواده في هذه الأثناء مشهداً من أغرب المشاهد التي وقعت عليها عيون الباريسيين و ألطفها تنافراً وتناقضاً ، فأفخم مركبات باريس يقودها فرسان من أكرم الخيل وأفخرها ، تجري في متسع شارع الغاب أو منحدر الشانزليزيه و قد جلست في صدرها غادة الفرنسيين ، سليلة النسب الغالي وصورة التمدن الباريسي الحديث وآية الظرف والتأنق والرشاقة وإلى جانبها رجل البادية ربيب المضارب ، بقية الرحل الشاردة ، وصورة البداوة ، جالس على مقعد المركبة كأنه على صهوة الجواد وقد استرسلت غدائره السوداء حول كتفيه العريضتين وطوق رأسه عقاله الضخم ، وحول كفيه من الحرير وانفرجت عن جسمه عباءة حريرية ثمينة مزركشة بالذهب وكتب كاتب في جريدة الحياة في ذلك الوقت، قدمت إلى تلك البلاد «كونتيسة» فرنسية تدعى كارمن تونير، وأثار فضولها ما سمعته من الناس عن بطولات هزاع، فطلبت من السلطات أن تزوره في سجنه، وعندما شاهدته شغفت به حبا من (أول نظرة)، وهو الشاب الوسيم المعتد بنفسه، فبذلت المستحيل حتى أخرجته من السجن بعد أن دفعت المال الكثير للسلطات جراء ذلك، وخرج هزاع وانطلق معها إلى مضارب قومه، ويبدو أنها كذلك قد استمالته بجمالها وحسن منطقها وأقنعته بأن يرافقها إلى باريس - وهذا هو ما قرأته من أرشيف مجلة عربية كانت تصدر في فرنسا اسمها «نهضة العرب» وتحديدا في العدد 23 الصادر في سبتمبر (أيلول) من عام 1909. واشترط هزاع أن يرافقه في رحلته تلك أربعة من مستخدميه، وخامسهم عازف الربابة، لأنه لا يستغني أن يشنف أذنه كل ليلة بسماعها مع أشعار الغزل التي يحبها قلبه. وفعلا وصل معها إلى باريس، وأسكنته في طابق خاص في قصرها الكائن في شارع فرانسوا الأول نمرة 12، وقد قدر لي أن أذهب خصيصا لذلك القصر لكي أشاهد وأتأكد، ووجدت لوحة شرف ذلك القصر مكتوبا عليها بفخر: إن الأمير العربي هزاع قد حل ضيفا في ذلك المكان لعدة أشهر. وطافت «الكونتيسة» بهزاع كل أنحاء باريس من متحف اللوفر، إلى شارع الشانزليزيه، إلى برج إيفل، إلى مربع الطاحونة الحمراء، إلى كل صالونات المجتمع الفرنسي الأرستقراطية، وطوال المدة التي مكثها لم يتخل أبدا عن لباسه العربي الجميل، وأخذت الصحافة في ذلك الوقت تتابع أخباره وكأنه نجم سينمائي، إلى درجة أن الكونتيسة بدأت تغار عليه من تهافت بنات باريس على القرب منه، ويبدو أنه في النهاية قد بدأ يضيق ذرعا بحصارها عليه.
وفي أحد الأيام فاجأها بقراره وعزمه على الرحيل، ووقع عليها الخبر وقوع الصاعقة، وأخذت المسكينة تبكي وتلطم، وحاولت بشتى السبل أن تستبقيه إلى درجة أنها حرضت عليه السلطات هناك، ولكنه قال لها بالحرف الواحد: «إنني لم أقبل الضيم من الأتراك، ولا أقبله من الفرنسيين، ولا أقبله منك أنت، فلقد خلقت حرا وسأموت حرا»، وعندما يئست تركته يذهب وهي تتجرع حسرتها، وكتبت في مذكراتها أنها لم تعشق ولن تعشق في حياتها غير هزاع، وماتت دون أن تتزوج.
يتبع