أصبح التاريخ علماً له منهج واضح المعالم في القرن التاسع عشر على يدي لانجلوا وسينيويوس.
يقول لانجلوا وسينوبوس :" هذا البحث عن المشاهد الأصلي ليس غير معقول من الناحية المنطقية فمجاميع الروايات العربية القديمة تعطي أسانيد الرواية، لكننا في الواقع العملي نفتقر دائما إلى معلومات عن السند تصعد بنا إلى المشاهد الأصلي فتظل المشاهد مجهولة الصاحب".[1]
ولا نغالي إذا قلنا إن المنهج الأوروبي تخبط أيضا في آلية الرواية ونقلها عبر الرواة، ففي موضع من كتابهما يعتبر لانجوا وسينوبوس الأحداث التاريخية شديدة التعقيد وأنه من غير المحتمل مطلقا أن يرويها مشاهدان مستقلان بنفس الطريقة"[2]. لكن سينوبوس في رسالة له في النقد التاريخي يبدو أكثر نفهما حين يقول: " فالأقوال إذا اتفقت ، فإن اتفاقها ليس من الممكن عمليا أن يقع إلا لأنها تتفق مع الحقيقة الواقعية"[3].
إن هذا التخبط يعكس حجم المعوقات التي تخيلها المؤرخون الأوربيون حائلة بين المؤرخ وبين الملاحظة المباشرة ، ولقد فطن المحدثون لكل تلك المعوقات وذللوها وهيئوا للنقد مجالا علميا دقيقا وشفافا إلى أبعد الحدود.
منهج المحدثين في توثيق الإسناد ونقده.
لقد قامت نظرية الإسناد على أساس إتاحة أكبر قدر من عنصر الملاحظة لنقد الخبر والرواية، بحيث ينأى النقد عن مجرد الافتراضات والظنون والأوهام ، ولعل هذا ما يميز منهج المحدثين في النقد عن منهج الغربيين في النقد التاريخي.
فإن منهج النقد التاريخي عند الأوروبيين في أساسه منهج استردادي كما قال اندريه لالاند[1]، ومعنى ذلك أنه لا نصيب له من الملاحظة والتجربة، وهذا ما يعترف به لانجلوا و سينوبوس ، فهما يقولان: " والخاصة المميزة للوقائع التاريخية هي أنها لاتدرك مباشرة، بل وفقا لآثارها ، ولهذا فإن المعرفة التاريخية هي بطبيعتها معرفة غير مباشرة، ولهذا السبب ينبغي أن يختلف منهج علم التاريخ اختلافا أساسيا عن منهج العلوم المباشرة.. وعلم التاريخ مهما قيل فيه ليس علم ملاحظة"[2].
فالمؤرخون الأوروبيون قطعوا الأمل في حصول أي نوع من أنواع الملاحظة المباشرة للواقعة التاريخية، والمحدثون قد أدركوا هذه الاستحالة في الواقع العملي لكنهم حاولوا أن يوفروا مجالا لتحقق نوع من أنواع الملاحظة المباشرة حتى يخرج هذا العلم عن حيز الخرص والأوهام.
يقول الأستاذ عثمان موافي:" فمنهج الملاحظة غير المباشرة الذي هو أساس كل بحث تاريخي في عصرنا الحاضر من الصعوبة بمكان أن نصل منه إلى اليقين، بينما المعرفة الإسلامية التي أساسها منهج الملاحظة المباشرة في درجة أقرب إلى العلم واليقين لأنها كما أشرنا ترتد أصلا إلى رؤية حسية مباشرة للظاهرة موضوع البحث والدرس، وهي ليست يقينية تماما وإنما في درجة أقرب إلى اليقين".
وقد أشار الأستاذ موافي إلى أن المنهج الإسلامي في رواية الخبر اعتمد التجربة وذلك بالموازنة بين الروايات ومعارضة المكتوب على السماع[1].
لقد كان الإسناد هو المعمل أو المختبر الذي تجري فيه الملاحظة المباشرة ، ليس للواقعة التاريخية ولكن لمن شاهدوا الواقعة التاريخية .
يقول مرغليوث : " والمنهج الثاني لضمان الصحة - في تسجيل الأحداث - هو الإسناد ، وهو سلسلة الرواة الذين يمكن تتبع آثار الرواية عن طريقهم إلى شاهد العيان الأصلي"[2].
إن الملاحظة شبه المباشرة التي تولد اليقين نظر لها المحدثون في مناهج نقدهم ، واعتبروا أن الخبر الذي ورد بإسناد صحيح في ميزان نقدهم "يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار"[3].