عرض مشاركة واحدة
قديم 04-04-2013, 04:04 AM   #13
باحث
 
تاريخ التسجيل: Dec 2007
المشاركات: 59
افتراضي

مقدمة فلسفة العصر الحديث في معرفة قبائل ربيعة :

وفي فلسفة العصر الحديث في معرفة قبائل ربيعة هناك علاقة وثيقة بين التاريخ والفلسفة فالمؤرخ يحتاج إلى الفلسفة ومناهجها ونظرياتها لدراسة الأحداث والمواقف التاريخية، والتمحيص والتدقيق في حوادث الماضي يحتاج إلى القدرة على فهم النشاط الإنساني وتطوره، وهذا هو محور الدراسات والنظريات الفلسفية. كما يحتاج التاريخ إلى دراسة أحداث الماضي والحاضر وقياسها وفق نظريات مختلفة لوضع مناهج ونظريات يستفيد منها المجتمع في حاضره ويضع على أساسها البنيات والبرامج المستقبلية. حتى يستفيد الباحث وطالب العلم من هذه البحوث الموثقة من خلال قدرة الباحث وفلسفته في هذا المضمار ، ويلزم على من يريد فلسفة التاريخ، أن يجمع اكبر قدر ممكن من الحالات، والمعلومات، والخصوصيات، والمزايا المتعلقة بموضوع الدراسة، وان يقوم بدراسة دقيقة للوثائق أهي صحيحة أم غير صحيحة، قطعية أو ظنية أو شكلية أو وهمية، أو يصب ذلك في قوالب الأشكال الأربعة مراعياً للصناعات الخمس حسب ما يقوله المنطقيون حتى يصل إلى التحليل الدقيق، وأن يقوم لعملية تركيبية، وصيانة المادة التاريخية صياغة علمية، متجاوزاً مرحلة السرد والوصف، إلى التعليل، فإن لكل شئ سبباً، ولكل شئ مسبباً، فيتعرض المحلل التاريخي للوقائع التاريخية مع تناول علل وأسباب يريد استخلاصها، فما هو علة هذا، وما هو سبب هذا، وما هو المعلول، وما المسبب؟ وأن يصل بذلك إلى أحكام كلية، وتلك الأحكام الكلية جارية في السابق، الحاضر والمستقبل. وبذلك يتمكن أن يتنبأ عن المستقبل تنبؤاً علمياً وربما يخطئ الإنسان بل كثيراً ما يخطئ، لأن الظروف متداخلة، فلا يتمكن الإنسان من استخلاصها حقيقة، ولا يتمكن من فهم الشرائط، والمزايا، والخصوصيات، والمتدخلات التي تتحكم في المستقبل كثيراً، حال ذلك حال الطبيب الذي يشاهد المريض، فيحكم على حالته أن يعيش إلى وقت كذا، ومع ذلك لا عيش إلا ذلك الوقت، ولا يموت إلا ذلك الوقت، بل الأمر أبعد من هذا، فقد قال: (عليه السلام): (لولا آية من كتاب الله لأخبرتكم بما كان وما يكون وما كائن إلى يوم القيامة) والمراد بالآية (يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) سورة الرعد 39.
فبناء على هذا نشاهد أن الذين يصلون إلى روح التاريخ وفلسفته، إنما يفعلون ذلك بأسباب، من جملتها القلق على مصير الحضارات القائمة سواء كانت حضارة إسلامية، أو حضارة غربية، أو حضارة شرقية مثل حضارة الهند إلى ذلك، فإن تحليل التاريخ وفلسفته، يوصل الإنسان إلى أن يكتشف المستقبل من الماضي ومن الحاضر، لأن الماضي، والحاضر، والمستقبل كلها تسلسلات بعضها مرتبطة ببعض.
والذين يريدون مثل ذلك بالنسبة للحضارات البائدة، والقائمة، والمستقبلة بحاجة إلى مقدرة فائقة على المقارنة بين مختلف الحضارات كالحضارة الإسلامية، والحضارة الغربية، الحديثة، والحضارة المسيحية، والحضارة اليهودية، والحضارة الإبراهيمية، والحضارة اليونانية القديمة، والحضارة الأشورية، والحضارة الفينيقية، والحضارة الكسروية، والحضارة الرومانية.
ومن الواضح أن، الأمر لا يقف عند هذا الحد، فالعالم عالم قديم لإله أبدي سرمدي قديم، كان بينهما فرق، فالله سبحانه وتعالي قائم بذاته وأزلي أبدي، بينما العالم القديم قدماً نسبياً، وحادث ذاتاً، وزماناً مستند إلى الإله سبحانه وتعالي، وقد مرت دهور ودهور بما لا تدخل تحت الألفاظ ولم يكن شيء طلاقاً، ولذا ورد: (كان الله ولم يكن معه شيء) هذا بالنسبة إلى الماضي، وأما بالنسبة إلى المستقبل فقد قال سبحانه وتعالي: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ) سورة القصص 88، ومحلل التاريخ يتكلم حول أسباب قيام الحضارات ثم شيخوختها ثم سقوطها ثم بعد ذلك تقوم حضارة أخرى.
وقد رأينا نحن أنفسنا كيف قامت حضارة الشيوعيين، ثم كيف قويت، ثم كيف ضعفت خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية، ثم كيف سقطت وإن تصور الشيوعيين بأنهم يمتلكون ما لا حصر له من الأسباب والأموال والقدرة وغير ذلك لأن تبقي سلطتهم قروناً وقروناً.
5- المقارنة بين العلوم الطبيعية والتاريخ:
كما يجب على من يريد تحليل التاريخ، أن يقارن تحليله بسائر العلوم الطبيعية، وانعكاسات منهج العلم الطبيعي على التاريخ ويتمثل في الآتي:-


1- أن يعزل الباحث أو المؤرخ موضوعه زماناً ومكاناً عن سائر العصور والدول كما يعزل العالم الطبيعي الظاهرة الطبيعية عما حولها من ظواهر.

2- أن يجمع المؤرخ أكبر قدر ممكن من الحالات والمعلومات المتعلقة بموضوع الدراسة، وأن يقوم بدراسة نقدية للوثائق، وتمثل هذه المرحلة التحليلية من البحث.

3- أن يقوم بعملية تركيبية لصياغة المادة التاريخية صياغة علمية متجاوزاً مرحلة السرد والوصف إلى التعليل مفترضاً أن الوقائع التاريخية معلولة لعلل وأسباب يسعي المؤرخ على استخلاصها.

4- أن يصل بذلك إلى أحكام كلية تمكنه من التنبؤ في المستقبل.

وكان لهذه النزعة الطبيعية دور في تطوير علم التاريخ تمثل في المراحل الآتية:-

1- الدراسات التاريخية الخصبة طوال القرن الثامن عشر – عصر التنوير – بنزعها العلمية النقدية سواء لدى فولتير أو مونتسكيو أو جيبون.

2- أصبح التاريخ علماً له منهج واضح المعالم في القرن التاسع عشر على يدي لانجلوا وسينيويوس.

3- نشأت دراسات مستفيضة حلو بعض المشكلات المتعلقة بتطبيق منهج العلم الطبيعي فاستفيض عن التعليل بالتفسير، وعن التنبؤات العلمية المحددة بالاتجاهات العامة لمسار التاريخ، وعن التوقعات الجزئية المعينة بتوقعات بعيدة المدى واسعة النطاق لا تتعلق بالتفصيلات الزمانية أو المكانية ولا تحدد الجزئيات، فليس من شان التاريخ أن يحدد موعد اندلاع ثورة أو شخصيات القائمين بها.
قد كان مؤلف المؤرخ أرنولد توينبي "دراسة في التاريخ" ممثلاً لذروة ما بلغة الاتجاه العلمي في دراسة التاريخ.
وبذلك تبين أن مفردات الحوادث لم تقع مصادفة وإنما وفقاً لظروف معينة وكلي عام متحد في جميعها وشرائط وأزمان مختلفة.
ومنطق التفسير في الأمور الطبيعية أو في غير الطبيعية واحد في جوهره في كل من التاريخ والعلوم الطبيعية، ولا يكون التنبؤ حينئذ علمياً بل هو قائم على قوانين عامة لا غني عنها لمن يريد تحليل التاريخ، لكن هذه القوانين لا تعني الحتمية والقطعية كالتدخلات التي لا نعلمها، ولأن إرادة الله سبحانه وتعالي التي لا تدع شيئاً إلا وتتدخل فيه زيادة ونقيصة وإفناء وإيجاداً، ولذا يبقي المجال للإمكان والاحتمال.

6- فحص المفردات قبل الحكم عليها:
ويلزم على من يريد معرفة فلسفة التاريخ أن يجمع قدراً كبيراً من المفردات والخصائص والشرائط مثلاً؛ إننا من دون الجمع لا نتمكن أن نحكم حكماً قطيعاً ببقاء هذه الحضارة أو تلك، وموت هذه الحضارة أو تلك، فإن الأشياء إنما يصل علم الإنسان إليها في حدود شرائط خاصة بأزمنة خاصة، مثلاً إنا إذا ألقينا نظرة دقيقة على خريطة جغرافية ظهرت لنا الحدود بين الدول كخطوط دامية لكثرة ما جرى فوقها من حروب في الماضي والتي أثرت في الجغرافية خاصة بين الدول المنظمة تنظيماً صارماً.
وقد علمنا كيف تغيرت الحدود بسبب الحرب العالمية الثانية، ومن الواضح أنه لا يمكن بشكل عام تغيير هذه الحدود إلا بحروب جديدة أو ثورات غير طبيعية كالزلازل وغيرها.
وهكذا فالمحلل التاريخي يحتاج إلى مقدار كبير من المفردات الزمانية والمكانية والشرائطية، حتى يتمكن من تحليل التاريخ وفلسفته واستخلاص ذلك الكلي المبطن في هذه الأمور أو الحضارات. وعلى المحلل التاريخي أن يراعي ظروف الزمان والمكان والشرائط والخصوصيات والملابسات للأحداث والأمم التي أصابتها تلك الأحداث، وألا يصدر أحكام الماضي أو إصدار أحكام على المستقبل حسب موازينه الشخصية.
فلا يحق للمؤرخ والفيلسوف أن يجعل من نفسه واعظاً عقيدياً معتمداً على ذوقه عقائدياً الشخصي لأن ذلك يؤدي إلى أحكام خاطئة إذا قيست بعقلية ذلك العصر الذي يدرسه سواء بالنسبة إلى العصر الماضي أو العصر المستقبلي، فإن لكل عصر تاريخاً بل لكل حقبة ذلك، كما لكل حضارة شخصيتها وقيمها، وليس للمؤرخ أن ينظر على الماضي من خلال معايير الحاضر، فلا ينتقي أن تحكم على الأمور بأذواقنا, وإن كان بين الماضي والمستقبل والحاضر معايير كلية هي الروح السائدة في أجزاء البدن. ولا يمكن إلا بقدر معين من العلم وقدر معين مما ورثه الإنسان عن الأنبياء عن الله سبحانه وتعالي. فإن الإنسانية ليست شكلاً واحداً ولا طابعاً مستقلاً ولا نمطاً متفرداً ماضيه ومستقبله وحاضره، إلا في صور خاصة وموازنين قطعية.
ذيب الشويرد متواجد حالياً   رد مع اقتباس