عرض مشاركة واحدة
قديم 05-17-2011, 05:38 AM   #2
مؤرخ قبائل السلقا
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
المشاركات: 1,145
افتراضي

يواصل الأستاذ الرويس نقده العلمي في حلقته الأخيرة عن هذا الكتاب ودور الملك عبدالعزيز في دعم استقلال سوريا.
وسنلمح إلى تطورات هذه العلاقة كما يلي :


أ/ في 10تشرين الأول عام 1929م وصل خطاب من فيصل آل سعود نائب الملك على الحجاز يفيد بأن سلطان الأطرش وصياح الأطرش يراسلون الشريف عبدالله ويدعمونه ضد السعوديين؛ والحقيقة التي لم يعلم عنها فيصل ولا والده رحمهما الله هي أنهم لم يراسلوا الشريف عبدالله فقط ولكنهم يلتقونه بصفة مستمرة حتى انه طلب منهم أن يلتقي سلطان الأطرش قائد الثورة السورية في الحديثة وهي أرض سعودية ليس هذا فحسب بل إن الثوار لم تنفك علاقاتهم ولقاءاتهم مع الهاشميين سواء الملك فيصل ملك العراق أو الملك علي ملك الحجاز السابق أو الأمير عبدالله طيلة وجودهم على الأراضي السعودية فلأي أمر هذه الاجتماعات المتكررة وإلى أي هدف يرمي الهاشميون وكيف لا تثير هذه العلاقات شكوك الخصوم رغم أن صياح الأطرش يؤكد على أن هذه العلاقات بريئة وأنها لخدمة القضية السورية ولكنه لم يشر إلى سعي الهاشميين للتأثير على الثوار والحصول على تأييدهم والعمل على تحقيق عرش ثالث للهاشميين وهو ما تؤيده المصادر التاريخية .
ب في حين نجد أن أول مسألة واجهتهم بها الحكومة السعودية مسألة المنهوبات 10آذار 1929م أعقبها بعد سبعة أشهر الرسالة التي تشير إلى مراسلتهم للشريف في 10تشرين الأول 1229م وبين هاتين الرسالتين وقبلهما وبعدهما تعرضت الحدود والقبائل السعودية إلى اعتداءات متكررة من قبائل شرق الأردن بدعم وتشجيع أمير شرق الأردن في حين أن هؤلاء المجاهدين خلال هذه الفترة لم يكونوا يراسلون الشريف عبدالله فحسب بل زاروه وقابلوه مع أخيه علي حوالي سبع مقابلات مرة بطلب من الشريف ومرة بطلب منهم ومرة ليلا ومرة نهارا أي بمعدل زيارة كل شهر تقريبا وذلك حسب ما جاء في اليوميات ؛ فهل هذه الأمور تبعث على الطمأنينة خاصة وأنهم يقيمون في المنطقة الحدودية .
ج _ بعد جوابهم على الرسالة المؤرخة في 10تشرين الأول 1929م كان من ضمن أعذارهم للذهاب بصفة متكررة لشرق الأردن عذر واحد يمكن قبوله وهو التفتيش على أراضٍ تصلح للرعي واستئجار أراضٍ للزراعة كي يؤمنوا معيشتهم بعرق جبينهم وأما بقية الأعذار فيمكن القيام بها دون الذهاب لشرق الأردن والاتصال بالأشراف؛ فجاءتهم رسالة الملك عبدالعزيز في 7تشرين الثاني 1929م التي تطلب منهم الدخول إلى الجوف حيث يمكنهم الاشتغال بالزراعة وغيرها من أسباب المعيشة إذا كانت دعواهم صحيحة وإلا فعليهم المغادرة إلى أصدقائهم الذين يوالونهم؛ إن هذه الرسالة التي تدل على حكمة الملك عبدالعزيز ودهائه السياسي كشفت الأمور للجميع فإن كان هؤلاء المجاهدون لاجئين حقيقيين فيجب عليهم القبول والتسليم فلن يضرهم رحيلهم للداخل واشتغالهم بما ينفعهم ويصلح حالهم الأمر الذي سيبعث على اطمئنان السعوديين وأمنهم على حدودهم ويؤكد حيادية المجاهدين ويبعدهم عن الشبهات فإن كانت لهم أهداف أخرى فسيرفضون ذلك وبالتالي فخروجهم من بلاده وبعدهم عن حدوده سيكون باختيارهم وهذا أيضا سيعطي فرصة لتوطيد الأمن والقضاء على الاعتداءات دون أن يكونوا مثارا للشك.
ولكنهم بعد ذلك عملوا على مقابلة الأمير عبدالله أيضا فعارضت السلطات السعودية ذلك في 17كانون الأول 1929م وهذا يعني إن صلتهم بالهاشميين لم تنقطع رغم أنهم يعرفون أن هذا الأمر لا يبعث على راحة مضيفهم والحقيقة إن اتصالهم بالهاشميين وميلهم إليهم وتعاطفهم معهم لم ينقطع سواء قبل وجودهم على الأراضي السعودية أو أثناء وجودهم أو بعد مغادرتهم الأمر الذي يجعل الباحث يكاد يجزم أنهم من مؤيدي ملكية الهاشميين في سورية إذا عرفنا مواقف بني معروف السابقة معهم أثناء الثورة العربية وليس أدل على ذلك من رسالة الشريف الحسين بن علي الجوابية من منفاه في قبرص إلى صاحب اليوميات صياح الأطرش والمنشورة صورتها في الكتاب ص 270وما تضمنته من المشاعر المتبادلة وإشارته إلى موضوع يطلب فيه رأيه ؛إذن عرى العلاقة مع الهاشميين وثيقة وشاملة للجميع سابقهم ولاحقهم فكيف يمكن أن نصفها بالبريئة في ظل ما يحشده الهاشميون ضد الملك عبدالعزيز من الأعمال العدائية عسكريا وسياسيا وإعلاميا على الجبهتين الأردنية والعراقية خلال تلك الفترة بالذات. وهكذا يظهر لنا أن الملك عبدالعزيز كان حريصا على مصلحة هؤلاء الثوار كما كان حريصا على حمايتهم فقد طلب منهم الانتقال للمناطق الداخلية والاشتغال بالزراعة ليبعدهم عن المنطقة الحدودية فيضمن حيادهم ويؤمن حدود بلاده ولكن لماذا رفض الثوار الرحيل إلى الداخل وافهموا الآخرين أن ابن سعود يهددهم بالطرد والإبعاد مع إصرارهم على البقاء في موقعهم ؟؟ ومع كل ذلك فإن الملك (الهمام) يتراجع عن قراره في 24نيسان 1930م بشفاعات رجال الحركة الوطنية في سورية ليس ذلك فحسب بل سعوا أيضا للحصول على مبلغ وافٍ لهؤلاء الثوار الذين انقطعت المعونات التي تصلهم من الآخرين ؛فوافق على بقائهم متحملا الضغوط السياسية والمشكلات الأمنية والاتهامات الكاذبة في سبيل تحقيق الرغبات الشخصية لهؤلاء الثوار فالحقيقة واضحة وملابسات رسائل الرحيل للداخل جلية ولكن للأسف أن هؤلاء الثوار قابلوا الإحسان بالإساءة واتهموا الملك عبدالعزيز بالتهم الجائرة التي يروجها الخصوم الحاقدون فيتلقفها الجاهلون .
خامسا :قضية سورية ملكية أم جمهورية :
أشار المؤلف ص 105إلى رسائل تهديد بالترحيل من المسئولين السعوديين ومن حسن الحظ أنه ضمن ملاحق الكتاب صورة من هذه الرسائل وقد سبق التعليق على ذلك ثم أشار إلى الأسباب كما يراها هو حيث نسبها إلى الخلافات القائمة بين العرش الهاشمي والعرش السعودي ثم أشار إلى سبب آخر في نفس الوقت وهو زعمه بأن هناك ضغطا فرنسيا على السعودية للضغط على الثوار ومضايقتهم في مقابل ترشيح أحد الأمراء السعوديين ليكون ملكا على سورية وللرد على هذا الكلام وبيان التناقضات الراسخة في أذهان صاحب اليوميات ورفاقه نقول:
أولا: أنه خلال تلك الفترة الحرجة من تاريخ سورية لم يتم تحديد نظام الحكم الذي هو شأن وطني للسوريين وحدهم لأنه لم يتحقق الاستقلال الكامل بعد ويؤيد ذلك ما جاء في الكتاب ص 114في حوار سلطان الأطرش مع الصحفية الفرنسية التي جاءت برفقة رياض الصلح في النبك على الأراضي السعودية في 18تموز 1928م حول الملكية والجمهورية حيث قال: "إن المهم أولا هو تحقيق الاستقلال الكامل وأما صيغة الحكم فتعود لرأي الشعب الذي هو سيد القرار" ويقول صياح في يومياته ص114"كما وتكرر الحديث أيضا حول الملكية أم الجمهورية في سورية وذلك بعد أن اخذ هذا الموضوع السطحي أهمية كبيرة في كافة الأوساط العربية والدولية حيث رشحوا أسماء كثيرة" وهكذا نرى أن صياح وصف هذا الموضوع بالسطحي رغم أهميته بالنسبة له.
ثانيا: صرح صاحب اليوميات أيضا:بأن السعوديين يعتمدون على الشائعات للضغط عليهم في مقابل ملكية سعودية في سوريا يوم 22شباط 1930م والحقيقة أن هذا الرأي من الدعايات المضللة التي استخدمها الهاشميون في العراق والأردن ضد الملك عبدالعزيز بدليل ما أورده صاحب اليوميات موضع آخر ص 142في 27كانون الأول 1930م إلى أن رئيس الاستخبارات في شرق الأردن وبإيعاز من فيصل ملك العراق يأتيهم على طائرة وهم في رحلة صيد في الصحراء ليوضح لهم بأن السعودية قد طلبت من السلطات الفرنسية تسليم ابن مشهور فاشترطت فرنسا لتسليمه أن تسلمهم السعودية سلطان الأطرش وجماعته وبطبيعة الحال فالسعودية لم توافق خوفا على سمعتها ولا تريد خرق العادات العربية والإسلامية كما وان هذا العمل يضرها ولا يخدم مصالحها.
ثالثا: ذكر المؤرخ السوري أمين سعيد في كتابه تاريخ الدولة السعودية ص 298أنه في سنة 1928م بعد نهاية الثورة السورية الكبرى دعت فرنسا الشعب السوري إلى انتخاب جمعية وطنية لإقرار نظام الحكم ووضع دستور للدولة وإقرار معاهدة مع فرنسا لتنظيم علاقتها مع سوريا فقامت على اثر ذلك ضجة سياسية في سورية كان لها صداها في البلاد العربية المجاورة ونشطت الدعايات وكثر عدد المرشحين للعرش السوري والطامعين فيه ولم تكن الحكومة السعودية بعيدة عن هذا المعترك السياسي بحكم الصلات الروحية والروابط الأخوية فقد كانت السعودية ملجأ لرجالات سورية وعلمائها أثناء الاحتلال الفرنسي ومن هؤلاء أحد قادة الحركة الوطنية في سورية الشيخ كامل قصاب وكان قد حضر إلى السعودية في تلك الفترة الحرجة من تاريخ سوريا فاقترح على الملك أن يتولى مهمة تحرير سورية فينقذها ويجلس على عرشها وينال شكرها، ولكن الملك اعتذر بشدة وقال: "إن تقاليدنا القومية والدينية تحول دون قبولي عرشا تحت حماية الأجانب ".
فإذا كان هذا رد الملك على أحد قادة الحركة الوطنية السوريين الذي يتمنى أن يقوم الملك بهذا الدور فكيف يقول بالمساومة مع الفرنسيين على إجلاء الثوار مقابل العرش السوري في حين أنه قبلهم كلاجئين سياسيين راضيا مختارا ويستطيع إبعادهم بدون أي مبررات ولكن ليس ذلك من أخلاق الملك عبدالعزيز الذي كان الملاذ لكثير من رجال العلم والسياسة الوطنيين في كافة الدول العربية كحافظ وهبة ورشيد الكيلاني وعبدالعزيز الثعالبي وخالد القرقني وغيرهم أما رجال الحركة الوطنية في سوريا السوريين فمنهم كامل قصاب ويوسف ياسين والزركلي وخالد الحكيم ونبيه العظمة ومحمد النحاس وفوزي القاوقجي ومحمود حمودة وشكيب أرسلان وغيرهم .
قال أمين سعيد : "وغادر القصاب مكة إلى حيفا وما كاد يبدأ العمل حتى اجتمعت الجمعية الوطنية في دمشق واختارت النظام الجمهوري فأقفلت الباب في وجه طلاب العرش وكان أبناء الحسين الثلاثة (علي وعبدالله وعلي ) يتنافسون عليه ويتزاحمون لبلوغه" فالحقيقة أن الملك عبدالعزيز لم يكن راغبا في عرش سوريا ولكن الهاشميين جميعا هم الطامعون فيه وهذا ما يفسر سر اتصالاتهم المتكررة مع الثوار السوريين المقيمين في أراضي الملك عبدالعزيز .
رابعا: كانت المسألة المطروحة على الساحة السياسية في سورية في خريف السنة التي تم تجاوز أحداثها في اليوميات أي في عام 1931م تفويض ملك العراق للمفاوضة مع فرنسا باسم السوريين وإمكان توحيد العراق وسورية وتولي الملك علي شقيق فيصل العرش وهذه الفكرة بدأت منذ توقيع العراق المعاهدة مع بريطانيا عام 1930م ورغم تأييد القوميين العرب لذلك إلا أن معارضة النظام الملكي كانت هي السمة البارزة لرجال الحركة الوطنية السورية وتراجع مشروع ملكية علي على عرش سورية مع طرح مشروع المؤتمر العربي القومي على الساحة العربية والمزمع عقده في بغداد ولكنه لم يعقد ومات في مهده بعد وفاة الملك فيصل في سبتمبر 1933م.
وهكذا نرى أن هذه المسألة كانت مجرد دعاية مضللة لتشويه صورة الملك عبدالعزيز في أذهان الثوار اللاجئين ليلتفوا حول الطالب الحقيقي لعرش سورية لدرجة جعلت صياح الأطرش يتناقض في يومياته التي اطلعنا في هذا الكتاب على قليل منها ؛ فالملك عبدالعزيز رحمه الله كان همه الأكبر هو إنقاذ العرب من الاستعمار وتوحيد الكلمة وجمع الشمل ولم يكن ينظر بمنظار أصحاب المطامع والأهواء ؛قال شكيب أرسلان : "والحمد لله على أن أبقى لنا راية ابن سعود حتى نتفيأ في ظلها بعد أن خفقت رايات الأجانب على أكثر البلاد".
سادسا : الخلافات والوشايات بين أبناء الوطن الواحد:
لم يشر صاحب اليوميات ولا مؤلف الكتاب إلى الخلافات التي أدت إلى ظهور الانشقاق في صفوف الثوار بسبب توزيع الإعانات والتي عمل رجال الحركة الوطنية على معالجتها من أجل توحيد الكلمة كما لم يشر إلى ما حدث بين أبناء الوطن الواحد بعد انهيار ثورتهم على الفرنسيين من تراشق بالتهم جعلت للوشايات سوقاً رائجة بينهم ولو كان الملك عبدالعزيز رحمه الله ممن يتأثر بالوشايات أو يأخذ بها فربما أدى ذلك إلى وضع آخر لهؤلاء الثوار وانقطاع لعلاقته برجال الحركة الوطنية السورية ولكنه عبدالعزيز ؛فقد أشار الزركلي إلى وصول رسالة إلى شكري القوتلي ليست من الملك عبدالعزيز ولكن معها (ملحق خير ) منه موجه إلى شكري يذكر فيه أنها مما حمله إليه البريد وأنه لم تتم قراءتها ؛وكانت هذه الرسالة من واشٍ يريد الوقيعة بين الملك وشكري القوتلي ولكن الملك لم يعبأ بها وسخط على مرسلها وبعث بها إلى شكري للإطلاع ، هذا هو الملك عبدالعزيز فالوشاية لديه سلعة كاسدة لا يعمل بها ولا يستمع إليها كما أنه لا يعتمد على الظن في حكمه على الآخرين أو في تعامله معهم ولا يتخذ قرارا إلا وهو على يقين من أسبابه ونتائجه وليس كما جاء في الكتاب حيث أشير إلى وصف أراضي السعودية بأنها مرتع للدعايات والوشايات .
وأخيرا.. فإني وجدت في القسم الثاني من الكتاب في ثنايا القصائد تعريضاً لا يليق بالسعودية ووصفاً لا يصح لحكومتها وأني استغرب أن يصدر هذا الكلام ممن لجأ إليها ونعم بالأمن في ظلالها فهل هذا مما تمليه الأخلاق العربية النبيلة ؟! ولكني سأضرب صفحاً عن تفصيلها نظراً لما فيها من التفاهة وقصر النظر؛ والله من وراء القصد.

من إرشيف جريدة الرياض: 4محرم1428هـ2فبراير2007م العدد14102
"الصور ليست من ضمن المقال إنما إتماماَ للفائدة"
ابو مشاري الرفدي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس