11-18-2009, 11:34 PM
|
#3
|
المشرف العام
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 1,353
|
وفي العقد الثامن من القرن التاسع عشر كان ألبرت سوسين Albert Socin يتجول في الشام وبلاد الرافدين ويقوم بجمع الشعر من البلقا وحوران ودمشق وحلب وبغداد وسوق الشيوخ، وحتى من ماردين على الحدود السورية التركية. ونشر حصيلته الضخمة عام 1900م والتي هي بمثابة أول ديوان يطبع في الشعر النبطي مع ترجمات ودراسات لغوية وإثنولوجية مفصلة ويقع الكتاب في حوالي ثمانمائة صفحة ويتضمن مائة وإثني عشر قصيدة. قابل سوسين في طريقه من دمشق إلى بغداد حملة من تجار العقيلات الذين أرشدوه في بغداد إلى مهاجر من أهالي بريدة اسمه محمد ويلقب بالأفندي لأنه يجيد القراءة والكتابة. وأملى محمد على سوسين الكثير من القصائد التي كان يحفظها عن ظهر قلب. وقابل سوسين شخصا من مدينة عنيزة اسمه مسفر كتب عنه بعض القصائد لكن روايته لم تكن بجودة رواية محمد. ومحمد الحساوي من الأحساء هو الراوية الثالث الذي قابله سوسين في سوق الشيوخ ووصفه بالغباء وعدم الفهم لكنه اكتتب منه بعض القصائد واشترى منه ديوانا مخطوطا يحتوي على الكثير من القصائد. وفي ماردين جمع سوسين بعض النصوص الركيكة من فلاح قال له إنه من قبيلة طي. ويقول سوسين إنه رأى الكثير من مخطوطات الشعر النبطي، من ضمنها ديوان نمر بن عدوان.
وفي سنة 1919م نشر كارلو دي لاندبرج Carlo de Landberg ثلاث سوالف بقصائدها جمعها أثناء تجواله في منطقة حوران. ويشير لاندبرج إلى أنه جمع السالفة الأولى والثالثة من فلاح مسيحي يدعى موسى رارا من أهالي قرية خبب التي تقع في حوران. والغريب أن لاندبرج يدعي أن موسى هذا أكد له أنه هو الذي أملى على فيتشتاين في دمشق السالفة التي أوردنا طرفا منها أعلاه وأن فيتشتاين لم يذهب بتاتا إلى مضارب قبيلة ولد علي كما يدعي. السالفة الأولى التي يوردها لاندبرج سالفة ماجد الحثربي مع قصيدته التي مطلعها حسب هذه الرواية "ياعمرو يامشكاي يافرحتي شوف" ومجموع أبياتها سبعة عشر بيتا. لكن السالفة كما أوردها لاندبرج تختلف كلية عما هو متداول بين الرواة في نجد وشمال الجزيرة العربية. كما تختلف أيضا رواية السالفة الثالثة التي تتحدث عن سعدون العواجي وما جرى له مع شامخ عن تلك التي أوردها محمد بن أحمد السديري في كتابه أبطال من الصحراء. نجد مثلا أن مزعل العواجي في هذه الرواية يصبح ابنا لسعدون وأن مسلط (التمياط) يصبح من العواجية وهو الذي يضطهد سعدون يساعده في ذلك ابن عمه شامخ (كذا). وقصيدة سعدون التي يوجهها لمسلط التمياط ويبدأها بقوله "ياراكب اللي ما لهجها الجنينا" تنسب لعقاب الذي يوجهها في هذه الرواية لأبيه. وتتضمن السالفة أيضا قصيدة سعدون التي مطلعها "ياراكبٍ من عندنا فوق مهذاب// زواع قطاع الفيافي إلى انويت" وقصيدة ذكر العواجية التي مطلعها "ياغوش ياللي فوق حيل هفاهيف// ليهن بكم عقب المسير اجتوالِ" مع اختلاف واضح بين هذه الرواية وما هو متداول بين الرواة في نجد وشمال الجزيرة. كما يورد لاندبرج سالفة عن شيخ من شيوخ البادية يسمى الحياري وانتصاره على الدالي موسى الذي أرسلته الدولة العثمانية للقضاء عليه. وبعد انتصاره على الدالي يقول الحياري قصيدة من ثمانية عشر بيتا يبدأها بقوله "يقول الحياري الذي شاع ذكره// وحمد الفتى قبل الفعال ضلال". وعلى الرغم مما أوردناه من ملاحظات على هذه الروايات وصحتها التاريخية إلا أن صياغتها جيدة وأسلوبها جميل ولغتها قريبة جدا من لغة البدو وطريقتهم في السرد والرواية.
في عام 1908م بدأ ألاويس موزيل Alois Musil رحلاته الاستكشافية في شمال الجزيرة العربية. وأمضى بعض الوقت يحل ويرحل مع قبيلة الرولة تحت حماية الشيخ نوري بن شعلان وتسمى باسم موسى الرويلي. وموزيل تشيكوسلوفاكي الأصل وشغل منصب أستاذ الدراسات الشرقية في جامعة تشارلز في براغ. ونشر نتائج أبحاثه في سلسلة من الكتب باللغة الألمانية التي ترجمت فيما بعد إلى الإنجليزية، ومن أهمها كتابه عن قبيلة الرولة الذي نشر بالإنجليزية عام 1928م. ويحتوي هذا الكتاب على كم وافر من السوالف والقصائد والأحديات ويزخر بالمعلومات الثرية عن حياة البدو. ومن الذين استعان بهم موزيل في الحصول على مادة كتابه الشيخ النوري بن شعلان وكاتبه جواد أبو علي العاني وعبده حمار أبو عواد وكذلك عوده أبو بركان الكويكبي ومنديل القطعي ومحمد القضيب وعبدالله المطرود وكلهم من الرولة، بالإضافة إلى بليهان بن إبراهيم بن داغر بن ضري بن مصرب من القمصة من السبعة. (ومنديل القطعي الذي ذكره موزيل يرد اسمه في السوالف التي جمعتها أنا من رواة شمر خلال الفترة 1403-1405هـ). وقد سبق أنني قمت بجمع جميع الأحديات التي بثها موزيل في كتاب الرولة ونقلتها إلى العربية ونشرتها تحت عنوان حداء الخيل وقدمت لهذا الكتيب بمقدمة تلخص محتويات كتاب الرولة. والآن أصبحت الفصول الأولى من كتاب الرولة متاحة لقراء العربية بفضل الترجمة التي أعدها الدكتور محمد السديس. ومن يريد مزيدا من نماذج أحادي الخيل يمكنه الاطلاع على العمل الذي نشره أحمد العريفي في هذا الموضوع.
ومنذ بداية القرن العشرين استحوذت قبيلة الرولة على اهتمام الرحالة الأجانب فكتبوا عنها كتبا مطولة ومفصلة منها بالإضافة إلى كتاب موزيل كتاب نشره كارل رسوان Carl Raswan سنة 1935م تحت عنوان The Black Tents of Arabia وهو مزود بالصور المعبرة منها صورة للشيخ النوري بن شعلان وحفيده فواز بن نواف وصور أخرى عن حياة الرولة في حلهم وترحالهم وفي حالات السلم والحرب. وفي عام 1981م نشر ويليام لانكاستر William Lancaster كتابا بعنوان The Rwala Bedouin Today وهو دراسة أنثروبولوجية لقبيلة الرولة وما طرأ عليها من تغيرات في وقتنا الحاضر.
وفي الثلاثينات من هذا القرن الميلادي نشر روبرت مونتان Robert Montagne بعض السوالف والقصائد التي دونها من رواة شمر الجزيرة. اثنتان من هذه السوالف والقصائد تتعلقان بحياة شايع الامسح ومغامراته، والبقية تتألف من ست عشرة سالفة بقصائدها جمع العشر الأولى منها من هليّل العلوان من عبدة وجمع الخمس التي تليها من محمد الخشان من الخرصة والأخيرة جمعها من قبيلة طي. وهذه قائمة بعناوين السوالف الست عشرة كما أوردها مونتان:
1/ سالفة بهيج بعقده.
2/ سالفة الهذال عبدالعزيز وعبدالله ابن عمٍّ له.
3/ سالفة مطلق الجربا بنجد.
4/ سالفة لابن سعود يخطب بنت لابن قرمله، شيخ قحطان.
5/ سالفة عقاب وحجاب.
6/ سالفة ابن رشيد يتثارا بهايس.
7/ ساجر الرفدي قوماني على محمد بن رشيد.
8/ سالفة حزير الرعوجي عاشق بنت عمه حروه.
9/ سالفة جدعان بن مهيد غزا على شمر.
10/ سالفة الدقيس، ابن سويط عاشقه.
11/ كنعان الطيار عند مطلق الجربا.
12/ صفوق بديرة العراق.
13/ مطلق بنجد.
14/ صفوق وحمود العامر ابن اخيّّه.
15/ سالفة محسن الهزاني.
16/ سالفة الموالي وطي بالجزيرة.
والقيمة الأدبية لهذه السوالف ضعيفة جدا ويبدو أن الرواة الذين أخذ عنهم مونتان ليسوا على المستوى المطلوب. وواضح من عناوين هذه السوالف أنها من الأدب المتداول عندنا في نجد لكن الروايات النجدية حسب ما سمعتها وجمعت بعضا منها بنفسي من مصادر شفهية أفضل من هذه بكثير.
وفي عام 1938م نشر المستشرق الألماني ج ج هس J. J. Hess كتيبا يحتوي على حكايات وقصائد وعادات وتقاليد البدو في قلب الجزيرة العربية. يحتوي الكتاب على مواد لغوية وإثنوغرافية وأدبية ومعلومات أخرى تلقي بعض الضوء على حياة البادية. استقى هس مادته مشافهة من اثنين من البدو الذين التقى بهما في القاهرة أحدهما عتيبي اسمه موهق بن عايض بن عجاج الغنامي والآخر قحطاني اسمه مسفر. ويمتدح هس موهق ويشيد بفصاحته وبراعته في السرد والرواية وقدرته على توصيل المعلومات وتفسيرها، ويقول إنه أمضى معه قرابة خمس سنوات في القاهرة تعلم منه خلالها كل ما يعرفه عن لهجة عتيبة وعاداتها وتقاليدها. عمل موهق مع محمد البسام، الذي يعد من أكبر تجار عقيل، في جلب الإبل إلى مصر والشام. وخلال عمله مع ابن بسام تردد موهق على القاهرة وعرفها جيدا. وخلال الحرب العالمية الأولى عمل جنديا في جيش الشريف حسين. وبعد فتح الحجاز واشتداد وطأة الإخوان فضل موهق الانتقال إلى مصر عام 1930م والإقامة هناك حيث عمل خفيرا في عزبة عزيز عزة باشا. ومن المؤسف أن القصائد القليلة التي يتضمنها كتاب هس ترد بالترجمة الألمانية دون الكتابة الصوتية أو الأصل العربي.
وبعد ذلك مرت فترة فترت فيها الجهود الاستشراقية في مجال جمع ودراسة الشعر النبطي وإن كانت نشطت بشكل ملحوظ فيما يتعلق بدراسة اللهجات وهذا ما سوف نتطرق له لاحقا. وسبق أن ألمحنا إلى أن فنلندا، على يد أوغست والين، لها فضل السبق والريادة من حيث الاهتمام الأكاديمي بالشعر النبطي. وفي السبعينات من هذا القرن تعود فنلندا مرة أخرى على يد البروفسور هايكي بالفا Heikki Palva من جامعة هلسنكي لتحتل مركز الصدارة في هذا المجال. والبروفسور بالفا عالم مرموق في مجال الدراسات اللغوية والأسلوبية، وخصوصا دراسة اللغات السامية واللهجات العربية وأسلوب الرواية الشفهية، ومؤلفاته في هذا المجال أكثر مما يفسح المجال بحصره هنا. وتتركز اهتماماته على دراسة لهجات بادية الأردن مثل الحويطات والعجارمة وبني صخر ومناطق السلط والبلقا وحصبان. ونشر بالفا مقالة عن قضايا الوزن في الشعر البدوي من وجهة النظر اللغوية.
ولا تخلو دراسات بالفا اللغوية من النفس الأدبي نظرا لطبيعة المادة التي يتعامل معها والتي تتألف معظمها من سوالف وقصائد شفهية يسجلها من الرواة أثناء وجوده بين أهل المناطق والقبائل المذكورة. ودراسات بالفا عظيمة الفائدة من الناحية اللغوية والأسلوبية، لكنها قد تكون أقل قيمة من الناحية الأدبية بالنسبة للمهتمين بالشعر النبطي. من يقرأ السوالف والقصائد التي يوردها في دراساته لا يخامره أدنى شك في أن منشأها من نجد ومن القبائل التي تقطن شمال الجزيرة العربية. لكنها أثناء هجرتها إلى الأردن وفلسطين تصبح على ألسنة الرواة من الفلاحين هناك مختلفة اختلافا واضحا عن الأصل المتداول في نجد، وتطرأ عليها تحولات جذرية لا من حيث اللغة ولا من حيث المضمون، لدرجة أن القصائد تختل أوزانها وتفقد الكثير من نسيجها الشعري ورونقها الفني. وأشك أن أصحاب النظر والمتذوقين لهذا اللون من الأدب من أهالي نجد والبادية سيستسيغون هذه النماذج ويستمتعون بها لو ألقيت على مسامعهم. ومرد ذلك إلى التباين اللغوي والثقافي بين البيئة الأصلية التي نشأ فيها هذا اللون من الأدب وبين بيئة الفلاحين التي جمع منها بالفا مادته. وقد لا تكون العينات التي جمعها بالفا على المستوى المطلوب من الناحية الأدبية لكنها مع ذلك تبقى أفضل بكثير من السوالف والقصائد التي جمعها هـ. هـ. سبور H. H. Spoer مع زميله إلياس نصرالله حداد من جنوب فلسطين وشرق الأردن والمنسوبة على حد قولهما لنمر بن عدوان. وتساؤلنا حول القيمة الفنية لهذه النماذج لا يضير الباحث في شيء. والقيمة الفنية على كل حال ليست هي التي تحدد القيمة العلمية للمادة ولا أهمية النتائج التي تتمخض عن دراستها لأن الأساس الذي تقوم عليه فلسفة العلم هو أن أي شيء وكل شيء قابل للدراسة، والهدف الأساسي الذي يرمي إليه بالفا وكذلك سبور هو هدف لغوي قبل أن يكون هدفا أدبيا أو فنيا، والنتائج التي توصلا إليها في هذا الصدد مهمة جدا. أما من حيث الدراسات الأدبية المقارنة فإن المادة التي جمعها هذان الباحثان تفيدنا في رصد التحولات التي تطرأ على السوالف والقصائد شكلا ومضمونا حينما تهاجر من موطنها الأصلي إلى بيئة غريبة عنها لغويا وثقافيا والأسباب التي تساهم في تحول هذا الأدب من مادة تاريخية إلى مادة أسطورية.
ومن المستشرقين المعاصرين الذين عنوا بجمع نصوص من الأشعار والسوالف البدوية من مصادرها الشفهية ودراستها دراسة لغوية بروس إنغام Bruce Ingham من جامعة لندن. نشر إنغام في عام 1986م كتابا من مائة وخمس وثلاثين صفحة عن قبيلة الظفير وتاريخها مع دراسة لغوية. وفي هذه الدراسة يورد إنغام أربع عشرة سالفة بقصائدها استقى أكثرها من نايف بن حمود بن سويط والباقي من محمد بن سعدون بن سويط ومهدي بن دغيّم القاسمي ومطني بن مجوي الخالدي. وكل هذه السوالف والقصائد تدور حول تاريخ قبيلة السويط وأفعالها في العصور السابقة. هذا وقد صدرت ترجمة عربية لكتاب إنغام عن الظفير قام بها عطية بن كريم الظفيري (إنغام 1995). ومن المقالات الممتعة والمفيدة التي نشرها إنغام مقالة له عن المصطلحات الخاصة بالإبل عند قبيلة المرة، وله مقالة أخرى عن "السالفة" كجنس أدبي.
ومن المصادر المفيدة في دراسة شعر البادية أعمال الباحث الإسرائيلي كلينتون بيلي Clinton Bailey الذي أمضى حوالي عشرين عاما في دراسة أحوال بادية سيناء وصحراء النقب ونشر العديد من المقالات وكتابا بعنوان Bedouin Poetry from Sinai and the Negev يحتوي الكثير من القصائد التي جمعها من الرواة والشعراء البدو ونشرها بنصوصها العربية مع ترجمات إنجليزية. وتتسم أعمال بيلي بالنزعة الإثنولوجية حيث أنه يركز على النواحي الثقافية والاجتماعية والتاريخية ويلجأ إلى الشعر للحصول على معلومات من هذا القبيل. ويؤخذ على بيلي ضعف الجانب اللغوي في أبحاثه حيث من الواضح أن تأهيله في العلوم اللسانية يعاني من القصور وهو لا يجيد لغة البدو إجادة تسمح له بفهم أشعارهم وتذوقها على الوجه الصحيح. ومع ذلك تبقى مؤلفات بيلي من المراجع المهمة عن شعر بادية سيناء وصحراء النقب.
ومن الملاحظ أن الدراسات اللغوية تحتل مركز الصدارة في معظم جهود المستشرقين التي استعرضناها حتى الآن. وجمع نصوص القصائد النبطية والسوالف البدوية وتحليلها بالنسبة لهؤلاء المستشرقين الذين تحدثنا عنهم ليس أمرا مطلوبا لذاته وإنما هو يأتي كحاشية لاهتمامات أخرى أشمل وأعم مثل دراسة اللهجات العربية واللغات السامية والدراسات التوراتية. والقليل من هؤلاء له اهتمام مثلا بالدراسات الشعبية أو الأنثروبولوجية أو الدراسات الأدبية المقارنة. بل إن البعض منهم، مثل ألبرت سوسين، يثير الشكوك والتساؤلات حول القيمة الفنية والجمالية لهذا الأدب ويتعامل معه باستعلاء شديد. وبدون التقليل من أهمية هذه الدراسات وقيمتها العلمية فإنه لا يوجد بينها ما يصلح في نظري كمدخل أدبي جيد للشعر النبطي يبرز خصائصه الفنية وسماته الجمالية. هذا المدخل الأدبي مفقود في جميع هذه الأعمال ولا يتوافر إلا في كتابات المستشرق الهولندي المعاصر مارسيل كوربرسهوك Marcel Kurpershoek. انصب اهتمام كوربرسهوك في بداية حياته العلمية على الأدب العربي المعاصر، وخصوصا فن الرواية والقصة، وكتب رسالته للدكتوراه عن يوسف إدريس. وبعد أن عين موظفا في السفارة الهولندية بالرياض بدأ اهتمامه بلهجة نجد والشعر النبطي. وطوال السنين التي أمضاها في عمله بالسفارة كان دؤوبا على مجالسة الرواة والشعراء النبطيين البارزين وقراءة الدواوين الشعرية المطبوعة وكل ما يتعلق بالشعر النبطي من مصادر تاريخية وجغرافية حتى أصبح يفهم هذا الشعر ويتذوقه ويتحسس مواطن الجمال فيه والإبداع بشكل يفوق جميع من سبقه من المستشرقين. ثم صار يشد الرحال إلى البادية ويمضي الأسابيع والأشهر يجوب الفلوات حتى سبر حياة البدو وتمثل قيمهم واستوعب طرائقهم في السلوك والتفكير والتعبير.
نشر كوربرسهوك العديد من الدراسات والمقالات عن الشعر النبطي باللغات العربية والهولندية والإنجليزية. ومن أهم أعماله كتابان؛ الأول صدر عام 1994م ومجموع صفحاته 368 صفحة وهو عبارة عن جمع ودراسة لأخبار وأشعار الشاعر عبدالله بن محمد بن حزيّم الدوسري الملقب الدندان من الحرارشة من الرجبان جمعها من الشاعر نفسه أثناء تجواله معه في بادية وادي الدواسر. والآخر صدر عام 1995م ومجموع صفحاته 510 صفحات وهو جمع ودراسة لأخبار وأشعار الفارس شليويح بن ماعز العطاوي وأخيه بخيت جمعها مشافهة من خالد بن مشعان بن فاجر بن شليويح العطاوي أمير مركز عبلا قرب عفيف. وتتميز دراسات مارسيل بالدقة العلمية والعمق والشمولية والفهم الواعي والسليم لمعاني الشعر النبطي ولغته وصوره وأساليبه الفنية.
ولكاتب هذه السطور عملان الأول نشرته جامعة كاليفورنيا سنة 1985م وهو عبارة عن مقدمة عامة عن الشعر النبطي تطرقت فيه لمواضيع عديدة منها أوزان الشعر النبطي ولغته وعلاقته بالشعر الجاهلي ونظرية الصياغة الشفهية ومدى انطباقها على الشعر العربي. والكتاب الآخر نشرته دار هاراسوتز Harrassowitz في ألمانيا سنة 1992م وهو عبارة عن دراسة لغوية وإثنولوجية لسالفة طويلة بلهجة شمر تتخللها بعض القصائد وتدور حول مغازي هذلول الشويهري من السويد من شمر على الشرارات وعنزة وكيف قبض عليه عقاب العواجي وقتله وكيف غزا هايس القعيط من العراق على الجعافرة في نجد وقتل عقابا وأخاه حجابا ثأرا لمقتل هذلول. هذا بالإضافة إلى ثلاث مقالات نشرتها باللغة الإنجليزية في دوريات أجنبية إحداها عن أوزان الشعر النبطي وأخرى عبارة عن تحليل وترجمة لقصيدة والسالفة المتعلقة بها والأخيرة مقالة نشرتها عام 1989 في مجلة Oral Tradition عن المحاورات الشعرية أو ما يسمى شعر القلطة. وفي دراستنا لهذا اللون الشعري ومقارنته بما يماثله في البلدان العربية الأخرى يمكن الاستفادة من مقالتين نشرتا باللغة الإنجليزية إحداهما كتبها عدنان حيدرAdnan Haydar عن شعر المحاورة في لبنان، ويسمونه الزجل، والأخرى كتبها ضرغام سبيت Dirgham H Sbait عن شعر المحاورة في فلسطين.
وهناك عملان مهمان لابد من الإشارة لهما ولو باقتضاب وإن كانا يقعان جغرافيا وثقافيا على هامش دائرة الشعر النبطي. هذان العملان هما دراسة ليلى أبو لغد Lila Abu Lughod عن أشعار نساء قبيلة ولد علي في صحراء مصر الغربية ودراسة ستيف كيتون Steve C. Caton عن شعر قبائل بكيل في منطقة خولان الطيال شرق اليمن. أرى أن هذان العملان يمثلان نموذجا ممتازا في تطبيق المقترب النقدي الأنثروبولوجي في دراسة الشعر العامي ومحاولة الغوص إلى أعماق الوظائف النفسية والاجتماعية لهذا الأدب ومحاولة استكشاف البنى الذهنية والشعورية التي تشكله.
ونكرر هنا ما سبق أن قلناه في حديثنا عن المصادر العربية بخصوص المصادر الثانوية التي لا تتناول الشعر النبطي بشكل مباشر لكنها تشكل أدوات مهمة من أدوات البحث التي لا غني عنها للباحث المدقق. ومن أهم هذه المصادر المصادر اللغوية والإثنوغرافية. ومن أبرز المهتمين بدراسة اللهجات البدوية وأساليب التعبير الشفهية هايكي بالفا Heikki Palva وبروس إنغام Bruce Ingham اللذين سبق الحديث عنهما. ومن رواد دراسة اللهجات البدوية جين كانتينو Jean Cantineau و ت. م. جونستون T. M. Johnstone وهايم بلانك Haim Blanc. وسوف نورد قائمة بأعمال هؤلاء اللغويين ضمن قائمة المصادر الأجنبية.
كما ستشتمل قائمة المصادر الأجنبية على أبرز أعمال الرحالة الأجانب ممن جابوا أرجاء الجزيرة العربية وبعض من عملوا في المجال الدبلوماسي والذين تمثل كتاباتهم أهم المصادر الأثنوغرافية التي تساعدنا على تمثل البيئة التقليدية التي نشأ فيها الشعر النبطي. وإضافة إلى أعمال جورج أوغست والين وألاويس موزيل وغيرهما ممن سبقت الإشارة إليهم هناك أعمال أخرى في غاية الأهمية. ويعد يوهان لودفيج بوركهارت Johann Ludwig Burckhardt، وهو سويسري الأصل، من أوائل المهتمين بدراسة المجتمعات البدوية. أتقن بوركهارت اللغة العربية وأجادها إجادة تامة وتفقه في علوم الإسلام الشرعية وتعمق فيها واعتنق الإسلام وأدى فريضة الحج وزار المدينة ودون ملاحظاته خلال زيارته للأماكن المقدسة في كتابه Travels in Arabia. وقدم للقارئ الغربي من خلال كتابه هذا أول وصف مفصل وحقيقي للكعبة المشرفة والحرمين المكي والمدني كما وصف المظاهر العمرانية والاجتماعية والسياسية في جدة ومكة والمدينة وينبع. وتوفي في القاهرة بعد عودته من الأماكن المقدسة بفترة وجيزة ودفن في مقابر المسلمين. وقبل زيارته لمصر والحجاز، والتي تزامنت مع بداية حملة محمد علي ضد جزيرة العرب، كان بوركهارت قد أقام لفترة عامين في حلب مما أتاح له فرصة الاحتكاك بقبيلة عنزة وبعض القبائل الرحل التي تقطن الصحراء السورية وشمال الجزيرة العربية، وتجول بين هذه القبائل ودرس أحوالهم ودون الكثير من الملاحظات عنهم. ويعد كتابه Notes on the Bedouins and Wahabys من الكتابات المتميزة والغنية بالمعلومات عن المجتمع البدوي وحياة الصحراء ولا يزال من المراجع التي يعتمد عليها في هذا المجال. وقد وصف الدكتور عبدالله العثيمين (1405: 3) بوركهارت بأنه من أبرز الرحالة الأوروبيين إلى البلاد العربية وأكثرهم دقة وإنصافا. وكتابات بوركهارت السويسري تشبه كتابات والين الفنلندي في موضوعيتها وتعاطفها مع عرب الصحراء وخلوها من التحيز الديني والعنصرية العرقية، بل إن القارئ يجد فيها تذمرا من الأوروبيين وطريقة حياتهم وتمجيدا لحياة البادية وشغفا بالصحراء.
وممن ادعوا الإسلام وتظاهروا به وتزيا بزي الدراويش من أجل دخول مكة والمدينة وزيارة الأماكن المقدسة الرحالة الإنجليزي المغامر ريتشارد بيرتون Richard Burton الذي اشتهر بترجمته ألف ليلة وليلة وبتدوينه لرحلته إلى الحجاز عام 1853م في كتابه Personal Narrative of a Pilgrimage to al-Madinah & Meccah الذي يقع في جزءين. وبالإضافة إلى وصف الأماكن المقدسة وما يحف بالرحلة إلى هناك من مخاطر ومصاعب يعطي بيرتون معلومات إثنوغرافية جمة عن قبائل الحجاز وحياة البدو في الصحراء، وإن كان منهج بيرتون في الكتابة أقرب إلى طابع الإثارة منه إلى التوثيق الدقيق والملاحظة الموضوعية. ولما توفي في سنة 1980م بنت له زوجته ضريحا كبيرا على هيئة بيت من بيوت الشعر البدوية.
ولم تمض عشر سنوات على رحلة بيرتون حتى شد الرحال في أثره رحالة إنجليزي آخر لا يقل عنه إثارة للجدل هو ويليام بالغريف William Gifford Palgrave الذي بدأ رحلته عام 1862م. سافر بالغريف مدعيا الطب تحت اسم مستعار هو سليم أبو محمود العيص يرافقه مدرس إغريقي مقيم في زحلة في لبنان ويجيد العربية انتحل اسم بركات بدلا من اسمه الإغريقي. ومن معان سافر الاثنان إلى الجوف ثم إلى حايل. وهناك تقابل بالغريف مع الأمير طلال بن رشيد الذي قال عنه "من بين جميع الحكام والأمراء الذين سنحت لي فرصة التشرف بالتعرف عليهم، سواء في أوروبا أو في آسيا، لم أجد إلا القليل من بينهم من يداني طلال في حذقه لفن الحكم". وفي الرياض قابل الإمام فيصل وابنه عبدالله بن فيصل الذي قال عنه إنه قريب الشبه من هنري الثامن في طلعته وفي شجاعته واعتداده بنفسه ومهارته السياسية. ومن نجد ذهب بالغريف إلى البحرين وقطر وعمان. ويدعي أن السفينة التي استقلها من هناك تحطمت في عرض البحر وفقد كل مذكراته. وفي عام 1865م نشر كتابه Narrative of a Yearصs Journey through Central and Eastern Arabia. ويختلف بالغريف عن الرحالة الآخرين في تفضيله للحضر على البدو وكرهه الشديد لأهل البادية. ويحتوي عمله على أخطاء كثيرة وتناقضات حملت بعض الرحالة المتأخرين مثل فيلبي إلى الشك في أنه فعلا قام برحلة إلى نجد. ومع ذلك يحتوي كتابه على معلومات دقيقة عن المنطقة وأهلها وتفاصيل ذات خصوصية شديدة لا يمكن أن يعرفها إلا من أمضى بعض الوقت هناك.
ومن الأعمال الكلاسيكية الخالدة التي لا نظير لها بين كتب الرحلات كتاب تشارلز داوتي Charles Montagu Doughty وعنوانه الترحال في صحاري العرب Travels in Arabia Deserta. في عام 1876م صحب داوتي قافلة الحج المنطلقة من دمشق وعند مدائن صالح علم قائد الحملة أن داوتي مسيحي فأرغمه على عدم مرافقة القافلة والبقاء في مدائن صالح. وأمضى داوتي ما يقرب من واحد وعشرين شهرا يتجول بين قبيلة الفقرا من عنزة وبين مناطق الحرة وخيبر وتيماء وحائل وعنيزة وبريدة واتصل بالأمير محمد بن رشيد وزامل بن سليم وحسن بن مهنا وتصادف وجوده في حائل مع عودة راكان بن حثلين من حبس الأتراك. عايش داوتي البدو وعاشرهم في حلهم وترحالهم، في الشدة والرخاء، وفي السلم والحرب وشاهد بعينه عمليات الغزو وتعرض هو نفسه للسلب. ويصف داوتي كل مشاهداته وانطباعاته وصفا دقيقا شيقا، لا تفوته شاردة ولا واردة. ولاقى داوتي عنتا شديدا في رحلته لأنه كان يصر على المجاهرة بدينه المسيحي دون احترام لمشاعر الناس البسطاء وكان شديد التعصب ضد الإسلام. وعلى الرغم من صعوبة لغته وغرابة أسلوبه، وعلى الرغم من طوله المفرط ورؤيته المتحيزة أحيانا يبقى كتاب داوتي عملا عملاقا ومثيرا تتجدد قيمته مع مرور الوقت نظرا لما يحتويه من معلومات تفصيلية عن حياة البادية والحاضرة في شمال نجد.
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي توافد على حائل وشمال نجد عدد من الرحالة والمستكشفين منهم، بالإضافة إلى داوتي، كارلو جوارماني Carlo Guarmani الإيطالي ويوليوس يوتنج Julius Euting الألماني وتشارلز هوبير Charles Huber الفرنسي والليدي آن بلنت Lady Anne Blunt التي جاءت من إنجلترا بصحبة زوجها ولفريد سكاوين بلنت Wilfrid Scawen Blunt. ولا تخفي الليدي بلنت في كتابها Plgrimage to Nejd عشقها وزوجها لحياة الصحراء وتعاطفها الشديد مع البدو وتعطي معلومات شيقة عن بلاط محمد بن رشيد وخيله وقصوره ونسائه. ونظرا لكونها امرأة، أتيحت لليدي بلنت فرصة لم تتح لغيرها من المستكشفين فولجت إلى داخل قصور الرشيد وخالطت نساءهم واطلعت على خصوصيات حياتهم العائلية وكتبت عن ذلك بشكل مفصل. وتقول إنها رأت في بلاط ابن رشيد ولأول مرة جهاز التلفون الذي كان آنذاك اختراعا حديثا لم تكن قد رأته قبل وصولها إلى حائل. أما هوبير فإن من أطرف ما يورده في مذكراته ذكره للدعوة التي أقامها في المنزل الذي يقيم فيه على شرف حسن بن مهنا وراكان بن حثلين حيث قدم لهما أنواعا من المشروبات والحلويات اللذيذة التي لم يألفاها ولم يسبق لهما تذوقها.
وخلال فترة خدمته في الجيش البريطاني في العراق والأردن اتصل الضابط البريطاني جلوب باشا John Baggot Glub بأبناء البادية وتعرف على حياتهم وكتب عنهم عددا من الكتب والمقالات. ويقدم جلوب باشا في كتاباته معلومات قيمة عن حركة الإخوان وزعمائهم وطرقهم في الغزو والغارات التي كانوا يشنونها على مناطق الحدود العراقية. ومن الكتب المهمة عن حركة الإخوان وعن حياة البدو عموما كتاب Tha Arab of the Desert الذي كتبه ديكسون H. R. P. Dickson والذي أمضى سنين طويلة في العراق والبحرين والكويت.
ولا يليق بنا أن نبخس هؤلاء الرحالة والمستكشفين حقهم ولا أن نقلل من شأن أعمالهم إلا أن المتتبع لكتاباتهم يلاحظ أنها في أغلب الأحيان تتراوح بين الرومانسية المفرطة والتحيز الشديد وتغلب عليها روح المغامرة والإثارة وأنها أقرب إلى الأسلوب الروائي الأدبي منها إلى الأسلوب العلمي التوثيقي. وغالبا ما يحتل الكاتب المغامر في هذه الأعمال المركز البطولي الذي تتسلط عليه الأضواء وتتمحور حوله الأحداث وتطغى على عمله السمة الانطباعية والصبغة الذاتية فيحكم على الأمور من منطلق قناعاته الشخصية وخلفيته الاجتماعية والثقافية ويقيم الناس والأحداث وكل الأشياء كمجرد وسائل وأدوات تعينه أو تقف دونه ودون الوصول إلى أهدافه وتحقيق طموحاته. ويصل هذا المنهج ذروته عند لورنس T. E. Lawrence في كتابه أعمدة الحكمة السبعة Seven Pillars of Wisdom. ومن بين هذا النوع من الكتب يحتل كتاب الرمال العربية Arabian Sands الذي كتبه ويلفريد ثيسيجر Wilfred Thesiger، مسجلا فيه رحلته المثيرة عبر الربع الخالي على الإبل، مكانا متميزا نظرا لما يحسه القارئ من صدق الكاتب في تواضعه مع البدو وفي تعاطفه مع طرق معاشهم وفي تقديره لهم وتعبيره عن إعجابه بنسيجهم الأخلاقي وقدرتهم على الصبر والتحمل. وكان الربع الخالي بالنسبة للرحالة الغربيين يشكل آخر المعالم المجهولة في الجزيرة العربية. ومن الذين شاركوا ويلفريد ثيسيجر المجد في عبور هذه المفازة الموحشة برترام توماس Bertram Thomas وجون فيلبي St. John Philby، وهؤلاء يمثلون الجيل الأخير من الرحالة الكلاسيكين الذين استكشفوا الجزيرة على ظهور الإبل وبهم طويت آخر صفحة من صفحات المغامرة والاستكشاف في جزيرة العرب.
|
|
|