11-18-2009, 11:33 PM
|
#2
|
المشرف العام
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 1,353
|
المصادر الأجنبية
ننتقل الآن إلى الحديث عن جهود المستشرقين في مجال جمع الشعر النبطي ودراسته، وهذا مصدر لا يستهان به كما وكيفا. وأعمال المستشرقين في هذا الميدان يمتزج فيها الجمع والشرح مع الدراسات الأدبية واللغوية التي تشكل بدورها فرعا من الدراسات الإثنولوجية بمفهومها الأعم. هذا يتطلب منا قدرا من التوسع والانفتاح في بحثنا عن المصادر بحيث لا نقتصر على تلك التي تعنى بتدوين نصوص الشعر فقط بل علينا أن ننتقر كل ما يتعلق بلهجات الجزيرة وحياة البادية وكتب الرحلات. مثل هذه المصادر وإن كان أصحابها قصدوا منها أساسا أن تكون أبحاثا في علم اللهجات العربية أو في اللغات السامية أو في الاستكشافات الجغرافية وهلم جرا إلا أنها لا تخلو أحيانا من بعض القصائد والأبيات النبطية و"السوالف" التي ترد كشواهد أو كمادة خام. هذا بالإضافة إلى أن مثل هذه المصادر في مجملها وعلى عمومها تشكل أدوات البحث الأساسية التي لا غنى للباحث الجاد عنها. والحقيقة أن المستشرقين لهم إسهامات سباقة وجهود لا يستهان بها فيما يتعلق بدراسة الشعر النبطي ولهجات الجزيرة العربية، وخصوصا بين أبناء البادية وفي شمال الجزيرة تحديدا. وحيث أن معظم هذه المصادر الأجنبية، وخصوصا القديمة منها وما هو مكتوب بلغات أجنبية غير الإنجليزية، غير متاحة للكثيرين من المهتمين بالشعر النبطي في بلادنا فإننا سوف نتوسع بعض الشيء في الحديث عما تتضمنه من نصوص وآراء.
أول من قام من المستشرقين بتدوين ودراسة نماذج من الشعر النبطي هو جورج أوغست والين Georg August Wallin الذي جمع بعض القصائد أثناء إقامته في منطقة الجوف عام 1845م وهو في طريقه إلى حائل مرورا بجبة. ولد والين سنة 1811م في وطنه فنلندا التي كانت آنذاك تحت سيطرة روسيا. وحيث أنه لم يكن يوجد بعد في فنلندا لغة وطنية نشأ والين كغيره من سكان مقاطعته يتكلم اللغة السويدية. وأبدى اهتماما مبكرا ببلاد الشرق وشغفا بالصحراء وحياة البادية. وحصل على شيء من الدعـم من جمعـية الجغرافيين الملكـية الروسـية التي تأسـست عام 1945م في ســانت بيترسـبرج St. Petersburg ومن جمعية الجغرافيين الملكية في لندن. يعرف نجيب العقيقي والين في الجزء الثالث من كتابه المستشرقون قائلا:
ولد في جزائر آلاند غربي فنلندا، وتعلم في كليتها وصنف كتاباً باللاتينية أسماه: أهم الفروق بين لهجات العرب المتأخرين والمتقدمين. وفي سنة 1841 قصد روسيا، وتضلع في العربية على الشيخ محمد عياد الطنطاوي في مدرسة الألسن، حتى آخر سنة 1842، ثم رحل إلى الشرق فطوّف خلال ست سنوات بمصر وجزيرة العرب وبغداد وأصبهان وبصرى ودمشق متزيياً بزي البدو متطبعاً بطباعهم باسم عبد الولي -وقد نقشه على حجر قبره بحروف عربية- حاملاً حقيبة مملؤة بالعقاقير، فأحبته القبائل، ويسّرت له دراسة عاداتها ولهجاتها، واستقصاء حالة بلادها الطبيعية والجغرافية، ثم سكن لندن (1849-1850)، واشترك في إعداد خريطة لبلاد العرب، وعين أستاذاً، فكان أول من استقل بكرسي لها فيها، ثم سمي أستاذاً للعربية في كلية هلسنكي، وأقبل عليه الطلاب، وأفادوا منه حتى وفاته.
نشرت دار Falcon-Oleander كتيبا صغيرا عنوانه Travels in Arabia (1845-1848) يتضمن التقارير التي سبق أن نشرها والين عن رحلاته مع مقدمة كتبها M. Trauts & W. R. Mead تحتوي على بعض المعلومات البيوغرافية عن حياة والين. جاء في هذه المقدمة أن والين كتب في يناير 1851م بعد عودته من الجزيرة العربية حينما داهمه برد الشتاء القاسي في وطنه فنلندا يعبر عن حنينه إلى الصحراء " كم أتوق الآن أكثر من أي وقت مضى أن استبدل مناخ وطني الثقيل الوطأة والحياة المرهقة التي أنا مجبر عليها هنا (كأستاذ للعربية يدرس الطلاب مبادئ الهجاء) . . . طموحي في هذه الحياة أن أتمكن من العودة إلى الشرق وبالتحديد إلى الصحراء العربية. يمكنني العودة هناك كرحالة أوروبي لأستكشف علميا المناطق المجهولة في بلاد العرب وأقدم نتائج أبحاثي للدوائر الأكاديمية في العالم الغربي، وأخص بذلك الجمعيات العلمية في لندن. أو لربما أذهب إلى هناك للاستجمام والترويح عن النفس، للبحث عن ملاذٍ في فيافي الصحراء من بيئة أوروبا الخانقة، لأجد السلام وراحة البال بعيدا عن التفاهات والزيف والعجرفة التي اعتادها الغربيون، لأعيش بدويا حرا ثم أموت وأدفن بين أبناء البادية الأحرار". وفي رسالة أخرى وضح والين أهدافه والتي كان من ضمنها توثيق ودراسة الآداب والأعراف البدوية التي كان يرى أنها "ما زالت تحكم حياة هؤلاء الباترياركيين patriarchal والتي لا تقل بأي حال في أهميتها وأصالتها عن القوانين التي كان يحتكم إليها قدماء الغاليين Gauls، بل حتى تلك التي سادت بين أجدادنا القوطيين Goths". وفي ميله للغات الدارجة والآداب الشفهية كان والين متأثرا أيما تأثر بجهود زملائه من الأكاديميين والكتاب الفنلنديين الذين شمروا عن سواعدهم وجابوا أرياف فنلندا وسهوبها بحثا عن الأغاني الشعبية والتي استطاع إلياس لونروت Elias Lonnrot فيما بعد أن يؤلف منها ملحمة الكاليفالا Kalevala. ولهذا كان والين يتطلع إلى جمع "أدب البادية الشعري المثير . . . الذي لا ينضب ولا يجارى في ثرائه وجودته". ويختتم والين رسالته بهذه الفرضية التي يقول فيها "يبدو أن الطبيعة اختارت هؤلاء الأعراب الذين لم تحد فاقتهم من إنسانيتهم وبساطتهم ليجددوا من وقت لآخر الدماء في عروق الشعوب غير المتحضرة أو الشعوب التي أصابها الوهن والتفسخ. من ناحية، نجد أن جدب أرضهم وشح مواردها يحميهم من الانحدار والانحلال الذي عادة ما تؤول إليه الأمم التي يتفشى فيها الغنى والنعيم. ومن ناحية أخرى نرى هذه الفاقة تدفع بهم للهجرة وترك بلادهم للبحث عن رغد العيش ويضخون تبعا لذلك دماء جديدة قوية فيمن يحلون بين ظهرانيهم".
كان والين مضطرا للبحث عن جهات تمول رحلاته الاستكشافية إلى الشرق وبلاد العرب وخصوصا الجمعيات الجغرافية الملكية في إنجلترا وروسيا. لكنه أيضا كان شديد الحرص على أن لا يعرف الشرقيون عن هويته وأغراضه الحقيقية ومصدر تمويله حتى لا ينكشف أمره ويعرض نفسه ومشاريعه للخطر إذا ما شك المسؤولون في بلاد الشرق أن مهمته وأهدافه لها أبعاد سياسية. فقد كتب إلى الدكتور نورتن شو Norton Shaw، أمين سر الجمعية الجغرافية الملكية في لندن، يحذره من إعطاء الأحاديث والإدلاء بالتصريحات عن رحلته ومخططاته "لأنه لو حملت الأخبار أنني أباشر رحلتي محفوفا بهذه الرعاية العظيمة من إنجلترا وروسيا فمن المحتمل جدا أنه حالما أصل إلى القاهرة سيكون لي شرف تلقي دعوة من عباس باشا لأتناول معه فنجانا من القهوة والذي ربمايكون آخر شيء يدرج في حلقي".
أمضى والين السنتين الأخيرتين من حياته أستاذا للغة العربية في جامعة هلسينكي وداهمته المنية سنة 1852م وهو في سن الواحدة والأربعين ولم يتمكن من تحقيق طموحه في العودة إلى جزيرة العرب.
جمع والين عددا من القصائد أثناء إقامته في منطقة الجوف عام 1845م ونشرها تباعا بترجماتها ودراسات عنها في العددين الخامس والسادس من مجلة الجمعية الألمانية للاستشراق Zeitschrift der Deutschen morgenlandischen Gessellschaft. نشر والين هذه القصائد خلال الفترة 1851-1852م تحت عنوان "عينات لأنثولوجيا قصائد عربية معاصرة جمعت من البادية" Probe aus einer Anthologie neuarabischer Gesange in der Wuste gesammelt. تضمنت هذه العينات ثماني قصائد يعرض كل منها على النحو التالي. يبدأ بكتابة القصيدة بالأحرف العربية ثم يكتبها كتابة صوتية مستخدما الرموز اللاتينية وبعد ذلك يترجمها إلى الألمانية ويقدم للترجمة بمعلومات عن الشاعر ومناسبة القصيدة وعن الظروف التي جمع فيها نص القصيدة والشخص الذي رواها له وينهي عرضه بدراسة لغوية مفصلة.
وقد قام إمام المسجد الذي يدعوه والين "الخطيب الوهابي" بمساعدته في نسخ القصائد. ومن الواضح أن والين والإمام الذي كتب له القصائد غير متمرسين في التعامل مع الشعر النبطي وتذوقه، فالقصائد التي دوناها تعاني من خلل في الوزن وفي طريقة التدوين ويعاني بعضها من خلل في القافية؛ وهذا يعود، في أغلب الظن، إلى عدم كفاءة الراوي سلمان الذي أخذ عنه والين هذه القصائد. وفي الأسطر التالية التي أستعرض فيها عمل والين سوف أعمد إلى تعديل الأبيات التي أوردها من عمله وأكتبها حسب الرواية الصحيحة المتداولة بين رواة الشعر النبطي ونقاده المتمرسين أو حسب ما تقتضيه الرواية الصحيحة الواعية لهذا الشعر.
القصيدة الأولى أملاها الشاعر بنفسه على والين الذي ذكر أن اسمه مساعد وأشار إليه بأنه عبد من عبيد الجوف. حينما وصل والين إلى الجوف وجد لهذه القصيدة صدى واسعا ولاحظ كثرة تردادها على ألسنة الرواة في المجالس وتغنيهم بها على الربابة مما حدا به إلى البحث عن صاحبها لأخذها منه مباشرة. وصل والين الجوف بعد أن أحكم عبدالله بن رشيد، أمير حائل، قبضته عليها. وكانت قبل ذلك تتكون من أحياء بينها عداء مستحكم وتعيش حالة خوف ونزاع لا ينقطع. ويتحدث والين في مقدمته لهذه القصيدة والتي تليها عن الوضع السياسي في الجوف. وهذه القصيدة التي تتألف من اثني عشر بيتا قالها مساعد العبد من حي خذما يخاطب بها داره ويعلن تفانيه في الدفاع عنها. يقول مطلع القصيدة:
والله لو رادوك يادار ما اعطيك // ياكود مارد نازلٍ للجزيره
والقصيدة الثانية تتألف من اثني عشر بيتا قالها سالم العوض من أهل الجوف يمدح عبدالله بن رشيد وأخاه عبيد على مساعدتهم لأهل حي خذما على أهل حي الدلهمية. وقد ذكر الشيخ سعد بن جنيدل في كتابه عن الجوف (1401: 118-119) طرفا من أخبار هذا النزاع. يقول سالم في مطلع قصيدته:
ياراكبٍ من عندنا فوق عرماس // يشدا ظليمٍ طالع الزول زايل
القصيدة الثالثة قالها نمر بن عدوان أمير قبيلة العدوان التي كانت تقطن نقرة الشام أو حوران يرثي زوجته وضحا من بني صخر. وأملاها على والين شخص يدعى سلمان من سكان حي خذما في الجوف والذي يصف والين بنيته بأنها قوية ويقول إن صحته جيدة على الرغم من سنه التي تناهز الستين. وأكد سلمان لوالين أنه كان تلميذا لنمر بن عدوان تعلم على يده قرض الشعر وأن نمر هو الذي شجعه على قول الشعر وأنه بعدما حفظ الكثير من أشعار نمر بدأ شيئا فشيئا بقرض الشعر بنفسه ويدعي بأن لديه صندوقا ملأه بقصائد نمر. ويذكر والين بأن وصوله إلى الجوف سنة 1845م كان بعد وفاة نمر بسنوات قليلة. ويضيف أن نمر كان شاعرا واسع الشهرة وأنه كان متعلما وضليعا في استخدام المراجع الأدبية والقواميس التي يستقي منها مفرداته الغريبة والجميلة التي يزين بها أشعاره وأنه يدخل في قصائده مفردات من اللغة الفارسية وغيرها من اللغات. (وأود هنا أن أسجل تحفظي على ما ذكره والين وأستبعد أن يكون نمر على هذه الدرجة من العلم ولربما يكون هذا جزءا من النسيج الأسطوري الذي يحوكه الرواة منذ ذلك الحين حول شخصية نمر. بل إنني في ريبة من أمر هذا الراوي المسمى سلمان وأتردد في قبول ادعاءاته لأن القصائد التي رواها عنه والين، سواء كانت من إنتاجه هو أو من إنتاج "أستاذه" نمر ليست على المستوى المتوقع). تتألف القصيدة التي أملاها سلمان على والين من ثمانية عشر بيتا ومطلعها يقول:
ياخالقي بيجاه تسعٍ وتسعين // حرفٍ وما بيهن نْطِق من لغات
والقصيدة التالية برواية سلمان لنمر أيضا يسندها على ابنه حمود وبعث بها معه إلى وضحاء حينما غاضبته وتركته وذهبت إلى أهلها. ويقول والين في معرض حديثه عن وضحاء أنها من الأدب بحيث لا تدير ظهرها إلى نمر حينما تنصرف من عنده وإنما تمشي على الوراء حتى تتعداه وتبعد عنه. مجموع أبيات القصيدة سبعة أبيات ويقول مطلعها:
ياحْمودٍ اركب يم هاك القبيله // قل له ربيع بْلادنا مثل ما كان
(ويورد منديل الفهيد في الجزء الخامس من سلسلته قصيدة لنمر "يخاطب فداويا عنده اسمه حمود" (ص ص 48-49) يبدو عليها شبه واضح من هذه التي يوردها والين).
القصيدتان الخامسة والسادسة برواية سلمان وهما قصيدتان متبادلتان بينه وبين شاعر آخر يدعى سكران من أهل الرحيبيين بالجوف. يقول والين عن سكران إنه شاعر فحل وراوية جيد وأنه سمعه مرة في الجوف ومرة في حائل ينشد الأشعار دون توقف لمدة قد تزيد على ساعة ونصف وكانت قصائده دائما تحظى بإعجاب الجماهير الغفيرة من الحضور. وهو شاعر متعدد المواهب يقول القصائد في كل موضوع وبعضها في المدح وكان يحصل مقابل ذلك على هبات على شكل "بالطو" أو "معطف" أو ما شابه ذلك. وغالبا ما ذهب سكران إلى ابن رشيد في حائل ليمدحه بقصائده ويرجع من عنده محملا بالهدايا. (هذا وقد عثرت في أحد مخطوطات الشعر النبطي على ما يفيد أن عبيد بن رشيد بعث مقطوعة من ستة أبيات لسكران ينصحه فيها مطلعها:
حي الكلام اللي بخطٍ لفاني // من واحدٍ ما واهس القلب ناسيه)
وقد حاول سكران أن ينظم قصيدة في مدح والين، الذي كان يمارس مهنة الطب بين أبناء البادية، عله يحصل منه على هبة سخية لكن والين، على حد قوله، كان بحاجة للعطف أكثر منه لقلة ذات اليد وكان يعيش على كرم "معازيبه" من الشيوخ والأمراء وأجاويد العرب. سبب القصيدتين هو أن سكران وسلمان وقعا معا في غرام فتاة تدعى "سْـوَيّـر" دون أن يعلم أحدهما عن الآخر. وبعدما اتضحت الأمور لكليهما حاول كل منهما أن يتنازل عن الفتاة للآخر ولكنه في قرارة نفسه يأمل أن يغلبه صاحبه في النبل والشمم ويتنازل عن الفتاة لتكون من نصيبه هو. وفي النهاية تطير الفتاة من أيديهما ويتزوجها شخص ثالث. يقول سكران أربعة عشر بيتا يبدأها قائلا:
بالله ريّـض يااريش العين أوصيك // كان انت ناوي يم خذما تروحِ
ويجيبه سلمان بتسعة أبيات فقط تختلف قافيتها عن أبيات سكران مما يثير تساؤلات حول شاعرية سلمان. يقول مطلع القصيدة:
ياراكبٍ حـرٍّ الى مد بكّر // ياراكبه خذ لي خفيف الرساله
القطعة السابعة التي يوردها والين وتتألف من خمسة أبيات مطلعها:
ياما حلا والشمس بادٍ شعقها // تحديرة الزرقا على نقرة الجوف
يزعم والين أن القصيدة أطول من ذلك بكثير وأن صاحبها، الذي نسي والين اسمه، رفض أن يرويها له وأن الذي روى له هذه الأبيات الخمسة سلمان. ويقول والين إن قائل هذه القصيدة شاب من أهل الجوف انتقل مع أبويه إلى الكرك وكان يقوم بزيارة قصيرة إلى الجوف أثناء وجود والين فيها. والقصيدة نشر منها منديل الفهيد أربعة أبيات مع قصتها في الجزء الأول من سلسلته ونسبها إلى ابن سراح (ص251). والبيت الذي أورده والين ولم يورده منديل هو:
ان جوا هل العيرات تومي عَلَقْها // متبشّرينٍ بالغدا حـقّـة الشوف
القصيدة الأخيرة مقطوعة قصيرة من ستة أبيات التقطها والين من رواة قبيلة بلي حينما كان يتنقل معهم وكانت تدور على ألسنة الجميع ويلهجون بها. ويقول والين إن "معـزّبه" من بلي ذكر له أنه كان مرة بصحبة رفيق له يدعى مِـشَـلّ في زيارة لأحد شيوخ الفقرا (عنزة) وسمع أحد الحضور يتغنى بهذه القصيدة على الربابة. ويردف والين أن بدويا من قبيلة بشر رافقه في رحلته من تيماء إلى حايل أكد له أن هذه أبيات قديمة قالها عقاب العواجي. (وهذه المعلومة التي سجلها والين عام 1845م لو توافرت لدينا قرائن ومعلومات مشابهة لها لساعدتنا في تحديد الفترة التي عاش فيها عقاب العواجي وربما تأريخ بعض الوقائع والمعارك التي حدثت بين الجعافرة بقيادته وبين شمر). ويعتقد والين أن القصيدة طويلة لكنه لم يتمكن من الحصول على أكثر من ستة أبيات. وقد بلغت هذه القصيدة تسعة أبيات عند الأسمر خلف الجويعان الذي نشرها في ديوانه شاعر من نجد ونسبها إلى عقاب العواجي (ص 212). يقول مطلع القصيدة:
ياشمعة الصبيان عمّر لنا البوز // وامله من التتن الغويري وناسه
وعلى إثر أوغست والين يأتي قنصل بروسيا (ألمانيا الشرقية) في دمشق يوهان جوتفريد فيتشتاين Johann Gottfried Wetzstein الذي جمع بعض المخطوطات الشعرية بما فيها نص نثري جمعه عام 1860م ونشره عام 1868م تحت عنوان "ملامح لغوية من مضارب البادية السورية" Sprachliches aus den Zeltlagern der syrischen Wuste. يبدأ فيتشتاين مقالته بالحديث عن والين والإشادة بجهوده مع إبداء بعض الملاحظات عليها والتي يمكن تلخصيها فيما يلي: ما نشره والين لا يمثل إلا جزءا ضئيلا من المادة الشعرية المخطوطة التي جمّعها أثناء إقامته في معان وتيما وحائل ودومة الجندل ومشهد علي وعاد بها إلى أوروبا (ترى أين هذه المادة المخطوطة؟). وكانت إقامة والين في حائل بعد الحروب التي جرت بين حائل والقصيم والتي قيل فيها قصائد كثيرة جمع والين بعضا منها. ويزعم فيتشتاين أن تلك الفترة التي استتب فيها الأمر لابن رشيد في حائل، وخصوصا بعد انتصاراته على "القصمان" التي ألهبت حماس الشعراء، ازدهر الشعر كثيرا في جبل طي وبشكل ليس له مثيل. والنماذج الشعرية التي نشرها والين ليست بذات قيمة فنية كبيرة ومن المشكوك فيه أنه كان يفهمها فهما جيدا. ويرجح فيتشتاين أن عدم نشر والين للقصائد الأخرى هو أنه جمعها على شكل مخطوطات عارية من الشروح والتعليقات لذلك فهو لا يفهمها ولا يستطيع التعامل معها. ومع ذلك يعترف فيتشتاين لوالين بشرف الريادة ويقر بأن النماذج التي نشرها هي أول معلومات لغوية يتلقاها الغرب من الصحراء العربية. إلا أنه يشير إلى أن الدكتور بيرتش W. Pertsch أمين مكتبة جوتا Gottha ذكر له أن فون سيتزين von Seetzen أودع في مكتبة جوتا مجموعة خطية من القصائد التي جلبها من شرق الأردن، وخصوصا من منطقة السلط والبلقا حيث تلتقي البادية مع الحاضرة ويترعرع فن الشعر. وكان سيتزين يجيد التحدث بالعربية لكنه لم يكن متمكنا من القراءة والكتابة بها لذا لم تكن تتوافر لديه الكفاءة لنشر القصائد التي جمعها ولا دراستها. (وقد اطلع ألبرت سوسين Albert Socin على هذه المخطوطة وقال عنها إنها كتبت بعدة خطوط وأنها سيئة جدا ولا تتضمن أي قصائد من نجد. كما يؤكد سوسين الذي زار الشام وبلاد الرافدين بأنه لا يوجد رواة جيدون في مناطق البلقا وحوران).
بعد هذه المقدمة يبدأ فيتشتاين بالحديث عن القطعة النثرية "السالفة" التي دونها في مضارب قبيلة ولد علي من عنزة وفي بيت عقيدهم صالح الطيار، حفيد كنعان الطيار، من عجوز شراري كان يحل ويرحل مع هذه القبيلة منذ ثلاثين عاما. يروي فيتشتاين أنه في أواخر صيف 1860م جفت البحيرات القريبة من دمشق بسبب قلة نزول الأمطار وتحولت في نهاية سبتمبر إلى مراتع خصبة. وكانت تلك السنة سنة عجفاء بالنسبة للبادية نفق فيها معظم حلالهم مما حدا بهم للقدوم من بعيد وقريب إلى تلك البحيرات التي امتلأت في شهر أكتوبر بالمخيمات والمواشي من مختلف القبائل التي جاءت لترعى عشبها. وعلى الرغم من أن تلك القبائل كانت في نزاع مستمر بعضها مع بعض ولسنين طويلة إلا أنها اضطرت في تلك السنة إلى التصالح والتعايش لتتمكن من الرعي في أحواض تلك البحيرات التي تحولت إلى حقول خضراء (هذا يذكرنا بفيضة الأديان التي قطنت عليها قبائل شمر وعنزة والظفير وفيها تمكن ماجد الحثربي من الأخذ بثأره من مفوز التجغيف). ويضيف فيتشتاين أن الفضول حدا به إلى الذهاب هناك لمشاهدة ذلك التجمع القبلي الضخم الذي شكل مشهدا عجيبا لافتا للنظر ومثيرا للدهشة. وفي الثامن والعشرين من أكتوبر خرج من دمشق إلى حرّان وفي التاسع والعشرين منه نزل ضيفا على صالح الطيار في خيمته، حيث كان أولاد علي ضاربين خيامهم في بحيرة عتيبة (اسم المكان وليس القبيلة المعروفة). وهناك التقى بالشيخ الشراري الذي دون منه السالفة إضافة إلى سوالف وقصائد أخرى منها قصيدة كنعان الطيار وقصته مع بنت ابن طواله. ويقول فيتشتاين إن شيخة أولاد علي في بيت ابن سمير بينما تحتفظ عائلة الطيار بمركز العْـقاده، أي قيادة القبيلة في الحروب والغزوات. كما يضيف أن قبيلة الشرارات آنذاك تنتشر من تبوك إلى الجوف. لكن جدب منطقتهم لا يسمح لهم بحياة رغيدة لذا يضطر الكثير من رجالهم إلى ترك منطقتهم وقبيلتهم للعيش مع قبائل عنزة والبلقا وحوران الذين يقدرونهم ويحترمونهم لشجاعتهم ومهارتهم في استخدام السلاح وإجادتهم الشعر. كما يتميزون بخفة الروح والظرف وطيب المعشر في السفر. ينشر فيتشتاين السالفة التي تقع في سبع عشرة صفحة مكتوبة بالأبجدية العربية ويتبع ذلك بترجمة ألمانية وتعليقات لغوية وإثنولوجية لكنه لا يكتبها بالأبجدية الصوتية اللاتينية.
والسالفة التي دونها فيتشتاين من الشراري لا يبدو أنها قصة تاريخية وقعت فعلا لكن أجواءها واقعية ولغتها بدوية، كما أنها مليئة بالعبارات الجميلة والصور الشاعرية التي تعكس حياة البدو وذوقهم. وهناك روايات أخرى للسالفه نشرها عبدالله بن عبار العنزي في كتابه قطوف الأزهار (عنزي 1985:735-740). ملخص السالفة كما يوردها فيتشتاين أن شمريا وخالديا جار عليهما الزمان وتنكر لهما الأهل والأصحاب مما اضطر كلا منهما إلى الجلاء عن قبيلته. وحينما ذهب الخالدي يرتاد مكانا لأهله تقابل في إحدى الرياض المعشبة مع الشمري الذي كان هناك لنفس الغرض. وبعد أن عرف كل منهما مأساة الآخر اتفقا على الجوار والنزول معا في تلك الروضة الخصبة. ولم يكن للشمري من الأولاد إلا بنت اسمها حمدة أما الخالدي فله ابن واحد اسمه هبّاس (وبالمناسبة فإن عزوة قبيلة بني خالد "أولاد هبّاس" أو "أولاد هبس"). ولرغبة الخالدي في مجاورة الشمري موّه عليه وقال له إنه مثله ليس له إلا بنت اسمها حمدة أيضا، لأنه خاف لو علِـم الشمري بأن عنده ولدا لما قبل مجاورته خوفا على بنته. وأمر الخالدي ابنه هباس أن يتزيا بزي البنات ويتصرف مع حمدة كما لو كان فتاة مثلها. لكن الحقيقة دوما لا بد وأن تظهر. فقد صادف ذات يوم أن أغار قوم من الغزاة على إبل الشمري والخالدي ونهبوها. ولما عجز الأبوان عن استرداد الإبل اضطر هباس إلى أن يأخذ سلاحه ويركب الفرس ويسترد الإبل. ولما علم الشمري بحقيقة الأمر غاضب جاره الخالدي ورحل عنه. لكن الحب كان قد تمكن من قلب حمدة وهباس وصار كل منهما يحن إلى الآخر ويتحرق لرؤيته. وبعد مغامرات عديدة ومعاناة طويله تتحقق الآمال ويلتئم الشمل ويقترن هباس بحمدة. ونورد هنا بداية السالفة ونكتبها بنفس الطريقة التي كتبها بها فيتشتاين:
وكان شيخ الخوالد رجالٍ الله منطيه ولا له كود وليد صغير اسمه هباس وكانت العربان تتلي هالشيخ وهو راعي شورٍ مليح لين شوره على الغزو من أين ما ضربه الله يجيبه معه راس والسعد هاب له. ويوم راد الله يهبّط به يالله عونتك وكان النحس يتولّصه لما دعاه بلون راعي، وتفسْقَـلت عنه العربان وصارت ما تشتهي تنزل حوله. وظهر واحد غيره راقصة له الدنيا وسعوداته زينات يالله عونتك راكبته العرب بالمغزا وبالرحيل والنزيل والشور والقول عنده. وهاذاك الشيخ الأول صار الراعي عندهم له قيمة أزود منه، وباقي عنده من حلاله فرس وراه مهرة ثنية ودرع وجوزين رداني وسيفين ورمح وعندهم يلفي عشرين بعير ولاكن حالته زرية بين ربعه وواسوه مسخرة، وكن قال هالشيخ لحرمته ياحرمة أنا طابت نفسي من هالعربان ومنازلهم حارمٍ عليّ فْلا أنزل ياغير ديرة ما ينزله كل مودماني حتى ما اشوف احد ولا احد يشوفن. وامر على حرمته تواسي له زهاب الدرب وبل له جود ماء وشد على ذلوله وكرب عليه الحقب والبطان ونسف عليه الخرج وعلق الجويد وشذب اليا هو بظهر ذلوله ويممه نية الشرق. وقلط الله بالنهار ينطحه وبالليل يمرح وثمانة أيام على الوجه الياما طب على هك الروضة الّي متخالفٍ عشابه من رقيطة ومن الخافور ومن البختري ومن المرار ومن النفل واشكالٍ ما تنعرف. ونوخ ذلوله وعقله ولاكن الذلول تشبع من مطواه وهاذا هو قاعد يمشي بوسط العشاب يوم بحر اليا الفتيل مثل بصبوصة النار معلق، اليا هو بواردي وثرات البواردي شايفنّه من بعيد وداغلنّه يريد يقوّسه وكن شافوا بعضهم. وكن قال الخالدي الى هاذاك: وش انت يازلمة؟ قال: أنا الى تشوفن، وانت وش أنت؟ قال له: وانا الى تشوفن ولاكن أنا سياف وانت بواردي وحق السياف مع البواردي حقا زري. قال: وش جايبك لهالمكان؟ قال: والله ياولد ما جابن إلا شوم الدهر. وكان هاذيك الساعة ترتخي إيده لأنه صايبه ما صاب الخالدي. ونشّده من أيات القبائل أنت قال له يارفيق الخير والله أنا خالدي على الشينة وعلى الزينة. قال حق الله والقوم أنا شمري ولاكن الخلا بين الاجواد حجاز أما عاد أنت أحك لي وش الي موصلك لهالمكان. بدا يحكي له بكلّشٍ صار به من الأول إلى التالي. وثرات الشمري صايبه ما صاب الخالدي وجاي بعد يدور له على ديرة ماحد ينزل به والله جمع هالثنين إلى هالمكان. وقامو هاذيك الساعة كدّم على بعضهم البعض وتسالموا وباتم هك الليله.
وهذا مقطع آخر من السالفة:
يوم من ذات الأيام سارحات البنات بالطرش ولن الله سلط عليهن غزو وغار الغزو على البنات واخذوا الطرش. قامن البنات يصيحن: الطرش وخذ ياهل الخيل. سمعوا أبّاتهم الصياح شدوا على خيلهم وركبوا ولحقوا الطرش حتى يفكوه والبنات يركضن وراهم. وقالوا الشياب إلى القوم: العقلة ياأهل الخيل. قال عقيدهم: عقّـبوا لهم قدر عشرة بعارين. فقالوا الشياب: ما يجزينا عشرة. وقال العقيد: ومن شان البنات النشامة عقبوا سته. وقالوا الشياب: ما يقيّـمنا ترانا بدوٍّ خلاوي وديرة منقطعة ومسقّمين على الله وعلى لبنهن والعذر لله وليكم ماش أحد غيرنا حنا هاللي تشوفون وهالبنات وعجائز ثنتين لكل واحد عجوز وجار علينا الزمان وعرباننا طشت عنا وتدامـنّا هالمكان ولا لنا معاش غير الله ولبن أباعرنا. قال واحد: وش عذرنا من طحّانات الزهاب يوم لفينا نقول لهن كسبنا طرش وصنمه ثنين شيّاب لحقونا وطلبوا العقلة وردينا لهم أباعرهم وحنا متحزّمين عليها؟ هاذا ما يصير هالحكي والله ما لكم عندنا غير هالحراب إن كان بكم خير هاذا حلالكم قبال عيونكم والا نوخذ البنات بعد ونخلي الوحوش توكلكم. يوم سمعوا الشياب هاذا الكلام قالوا: الحملة على الله وانتم القالطين عليها، أنتم مستعينين بكثر خيلكم وحنا مستعينين بالله. وعلقوا الطراد ضلوا يطاردونهم من الضحا إلي العصر والشياب ما جازوا الخيل والخيل ما جازوا الشياب ولاكن الشياب تلفوا. يوم هباس شاف الشياب عدموا روح يركض على البيوت وهو يركض قرّط المواعين ما خلا عليه إلا طاق البيرمة. يوم قامت أمه تشد على المهرة المرشحة وسففته العنان وطلعت السيف والرداني والجوخة. جتها الشمرية وقالت: أنتي تشدين على هالمهرة وين راعيه؟ قالت أم الولد ذلوان يلفي وتشوفين بعينك. وهاذا هن يتحاكين والا الولد نافذ عليهن يركض قامت أمه تزغرت إله. لفى ولبس الجوخة وتحزم بالرداني والسيف وشقلب لنه بضهر مهرته وكان يجيبه على مهله تهرّب برافق ألياما أقبل على حمدة وكان يعرض عنده وينتخي: عيناك ياحمدة زغرتي لهباس. قالت: ياخي وش هباس؟ قال: رفيقتك تراه هو ولد ما هو بنت. قامت تعج الزغاريت مثل صهين المهار وقامت تشوش والنخوة براسه. وقام لكد على الخيل وحمدة نثرت شعره وراه وزغرتت له. وهو يقول: يابخت حمدة بالقلائع. والشياب وقفوا لأنهم عدمانين. وانك ياهباس تناطح انت وهك الخيال ضربه سيف أليا هو قاطع راسه جاب فرسه لعند حمدة ربطه بايدها وقامت حمدة تنخيه. ويركض عليهم ثاني مرة ويرمي ثلاثة ويجيب خيلهم ويفك الطرش وباقي خيل القوم نارت وروحوا هاذول مبسوطين.
|
|
|